لندن – المنشر_الاخباري
في واقعة تكشف التطور المتسارع لقدرات الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني، تمكن فريق من الباحثين الأمنيين من استخدام نموذج «كلود» التابع لشركة أنثروبيك للمساعدة في اختراق أنظمة تابعة لشركة «أوبن إيه آي»، المطورة لـ«شات جي بي تي»، والوصول إلى حسابات لموظفين وبيئة برمجية داخلية للشركة.
واللافت أن العملية لم تكن هجومًا إلكترونيًا عشوائيًا، بل جرت في إطار اختبار أمني مرتبط ببرنامج «أوبن إيه آي» لمكافآت اكتشاف الثغرات، حيث أبلغ الباحثون الشركة بالثغرات التي اكتشفوها، وحصلوا لاحقًا على مكافأة قدرها 6500 دولار.
البداية من منتدى «أوبن إيه آي»
وبحسب تقرير «وول ستريت جورنال»، بدأت العملية في 23 يوليو 2026، عندما اكتشف باحثو شركة Hacktron AI ثغرة مرتبطة بطريقة معالجة منصة «ديسكورس» لملفات الصور في منتدى مجتمع «أوبن إيه آي».
واستغل الباحثون ثغرة في معالجة بعض صيغ الصور، بينها HEIC وHEIF، لتمهيد الطريق نحو تنفيذ تعليمات برمجية على خادم المنتدى. ووفق تحليل تقني منفصل، ارتبطت المشكلة بمكتبة برمجية تستخدم لمعالجة الصور، قبل أن تُربط بثغرة أخرى في نظام تسجيل الدخول الخاص بـ«أوبن إيه آي».
كيف دخل «كلود» في العملية؟
استخدم الباحثون نموذج «Claude Opus 4.8» في البداية لمحاولة تطوير استغلال عملي للثغرة، إلا أن النموذج لم يتمكن، خلال عدة محاولات، من إنتاج شيفرة قابلة للاستخدام بنجاح.
لكن بعد إطلاق Claude Opus 5، أعاد الباحثون التجربة باستخدام النموذج الجديد، وتمكن من المساعدة في تطوير الاستغلال الذي سمح بتجاوز الثغرة والوصول إلى خادم المنتدى.
ووفق «وول ستريت جورنال»، كان الباحثون يستخدمون نسخة مخصصة من «كلود» أتيحت لمتخصصين مؤهلين في مجال الأمن السيبراني ضمن برنامج مخصص للاختبارات الأمنية.
من المنتدى إلى حسابات «شات جي بي تي»
بعد الوصول إلى خادم المنتدى، تمكن الباحثون من الوصول إلى رموز مصادقة رقمية مرتبطة بحسابات المستخدمين.
وبحسب التقارير، سمحت سلسلة الثغرات باستخدام هذه الرموز للوصول إلى حسابات لموظفين في «أوبن إيه آي»، بما في ذلك حسابات مرتبطة بـ«شات جي بي تي» و«كودكس»، ثم الوصول إلى خدمات داخلية مرتبطة بالحسابات، بينها مستودعات برمجية خاصة بالشركة على «غيت هاب».
وأفاد الباحثون بأنهم أثبتوا إمكانية الوصول إلى المستودع الداخلي من خلال تنفيذ عملية محدودة لإثبات الاختراق، من دون الاطلاع على محتوى الشيفرة الخاصة بالشركة، قبل إيقاف الاختبار وإبلاغ «أوبن إيه آي» بالنتائج.
أقل من 72 ساعة
وأحد أبرز جوانب الواقعة هو السرعة التي جرى بها تنفيذ سلسلة الاختراق.
وقالت «هاكترون» إن الفريق احتاج إلى أقل من 72 ساعة منذ اكتشاف الثغرات وحتى الوصول إلى البيئة البرمجية الداخلية، بينما ذكرت تقارير أن تكلفة استخدام النماذج والأدوات اللازمة لتنفيذ العملية كانت أقل من 3 آلاف دولار.
وتبرز هذه الأرقام التحول الذي قد تحدثه نماذج الذكاء الاصطناعي في اقتصاديات الهجمات السيبرانية، إذ بات بإمكان فرق صغيرة الاستفادة من نماذج متقدمة لتسريع عمليات كانت تتطلب سابقًا خبرة بشرية ووقتًا وموارد أكبر.
«أوبن إيه آي» تعالج الثغرات
أكدت «أوبن إيه آي» أنها تعاملت مع الثغرات التي أبلغ عنها الباحثون، وقالت إن الشركة قامت بتضييق صلاحيات رموز تسجيل الدخول المرتبطة بمنصة المجتمع وإلغاء الرموز والجلسات التي يُحتمل تأثرها.
وبذلك، لم تتحول العملية إلى سرقة بيانات أو استيلاء دائم على أنظمة الشركة، بل انتهت بإبلاغ «أوبن إيه آي» بالثغرات ومعالجتها، في إطار برنامج الاختبار الأمني.
سباق جديد بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
وتأتي الواقعة في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في تنفيذ عمليات إلكترونية معقدة.
ففي الأسابيع الأخيرة، أعلنت «أوبن إيه آي» أيضًا عن حوادث أخرى مرتبطة بسلوك نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة أثناء اختبارات الأمن السيبراني، مؤكدة أنها تعمل على تشديد الضوابط والعزل ومراقبة النماذج التي تمتلك قدرات متقدمة في التعامل مع الأدوات والإنترنت.
كما أعلنت الشركة هذا الأسبوع إطارًا جديدًا للإفصاح المنتظم عن حالات السلوك غير المتوقع أو غير المصرح به لنماذجها، في ظل تزايد المخاوف بشأن قدرة الوكلاء الذكيين على تنفيذ عمليات أكثر استقلالية وتعقيدًا.
وتكشف واقعة «كلود» و«أوبن إيه آي» جانبًا جديدًا من سباق الذكاء الاصطناعي: فالنماذج لم تعد تُستخدم فقط لكتابة الأكواد وتحليل المعلومات، بل أصبحت قادرة على المساعدة في اكتشاف الثغرات الأمنية وتطوير أدوات اختبارها، ما يفرض في المقابل تطوير وسائل دفاع قادرة على مواكبة السرعة نفسها.









