يشهد المشهد اليمني والإقليمي تحولات دراماتيكية مع تقدم الحوثيين المدعومين من إيران نحو ممر ملاحي بحري استراتيجي، وتنفيذهم هجمات مستمرة استهدفت منشآت نفطية سعودية حيوية، مما أثار صدمة واسعة في الأسواق العالمية وعجز المجتمع الدولي عن إيجاد وسائل فعالة لإيقافهم.
و يعود جزء كبير من قدرتهم على المناورة إلى عملهم ضمن تضاريس جبلية واسعة تتيح لهم تشتيت مقاتليهم وبنيتهم التحتية العسكرية، مع الاستمرار في تهديد طرق التجارة العالمية ومنشآت الطاقة في آن واحد.
الدعم الإيراني والتطور السريع للترسانة العسكرية
وفقاً لخبراء الأمم المتحدة وغيرهم، تتلقى الجماعة دعماً لوجستياً وفنياً مكثفاً من إيران وحلفائها في لبنان والعراق، يتضمن الخبرات والتدريب والأسلحة المتطورة، إلى جانب تبنيهم أيديولوجية متطرفة تعزز صلابتهم الميدانية. وفي هذا السياق، يشير مايكل نايتس، الباحث في شركة “هورايزن إنجيج”، إلى أن الحوثيين يُعدون الأكثر التزاماً وعدوانية بين حلفاء إيران الإقليميين.
وقد نجحت طهران في تطوير قدرات الحوثيين بوتيرة مذهلة؛ فالقدرات التي استغرق حزب الله اللبناني نحو عشرين عاماً لتطويرها، تمكن الحوثيون من إنجازها خلال خمس سنوات فقط، مع التمتع بهامش واسع من الحرية في العمليات الميدانية. وتمتلك الجماعة ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة القادرة على الوصول إلى دول الخليج وإسرائيل، فضلاً عن استخدام صواريخ مضادة للسفن ومسيرات بحرية لتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر. وعلى الرغم من نفي إيران المستمر لتسليح الحوثيين -وهو ما يمثل انتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة- إلا أن تقارير دولية عديدة وثقت وجود علاقات عسكرية واسعة وضبط شحنات أسلحة مهربة.
طفرة التجنيد والتصنيع المحلي وتوظيف التكنولوجيا
شهدت القدرات البشرية للج الجماعة نمواً هائلاً؛ حيث نجح الحوثيون بحلول عام 2024 في تجنيد ما يصل إلى 350 ألف مقاتل، مقارنة بحوالي 30 ألف مقاتل فقط في عام 2015، وهو العام الذي شهد تدخل التحالف بقيادة السعودية وفرض حصار بحري. ويستخدم الحوثيون طائرات ومقذوفات منخفضة التكلفة لضرب البنية التحتية السعودية، مستفيدين من مكونات متطورة تزودهم بها إيران -مثل أنظمة التوجيه- إلى جانب قدرتهم على التصنيع المحلي وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير دقة صواريخهم.
ضعف الخصوم وانسداد الأفق الدبلوماسي
من جانبه، يوضح توماس جونو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أوتاوا، أن تنامي قوة الحوثيين لا يعود فقط للدعم الإيراني، بل يكمن أيضاً في “ضعف خصومهم”.
فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تعاني من التشرذم والفساد والصراعات الداخلية، وهو ما استغله الحوثيون بشكل منهجي للتقدم نحو مضيق باب المندب مع تراجع القوات المناهضة لهم.
وفي ظل لجوء الأطراف الإقليمية والدولية إلى خيارات محدودة -حيث تحجم السعودية عن خوض حرب برية طويلة الأمد، وتبقي الولايات المتحدة تركيزها على المواجهة الشاملة مع إيران- تتواصل التحركات الدبلوماسية بحذر؛ إذ كشفت مصادر لـ “رويترز” عن لقاءات سابقة بين ممثلين أمريكيين وحوثيين في مسقط تعهد خلالها الحوثيون بعدم مهاجمة السفن الأمريكية. ومع تمسك الحوثيين بشروط تعجيزية تشمل رفع الحصار ورفضهم تقديم أي تنازلات، يظل الموقف الإقليمي رهناً بتطورات التوتر الشامل بين واشنطن وطهران.










