موسكو- المنشر_الاخباري
تتزايد الضغوط على الشركات والمنشآت الصناعية في روسيا مع اتساع نطاق هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، ما دفع عددًا متزايدًا من المؤسسات الخاصة إلى تحمل جزء من مسؤولية حماية منشآتها، عبر استئجار أنظمة دفاع جوي، وتطوير وسائل لمكافحة المسيّرات، وحتى توظيف حراس مدربين على رصد الطائرات وإسقاطها.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن هذا التحول لا يأتي نتيجة مبادرات فردية من الشركات فحسب، بل يتزامن مع إجراءات من الكرملين تدفع القطاع الخاص إلى تحمل مسؤوليات أكبر في حماية المنشآت الحيوية من الهجمات الجوية. ويحذر مرسوم حكومي، وفق التقرير، من إمكانية فرض إدارة حكومية مؤقتة على الشركات التي تفشل في اتخاذ إجراءات لحماية مواقعها.
شركات روسية تستأجر أنظمة دفاع جوي
برزت شركة «سيفيرستال» للصلب كأحد الأمثلة على التكيف الجديد مع التهديدات. فبعد تعرض أحد منشآتها لهجوم بطائرة مسيّرة في وقت سابق من العام، قام مالك الشركة أليكسي موردشوف بتوفير نظام للدفاع الجوي لحماية أكبر مصانعها، وفق أشخاص مطلعين على الأمر تحدثوا إلى «وول ستريت جورنال».
وتشير الصحيفة إلى أن بعض الشركات تدفع لوزارة الدفاع الروسية مقابل استئجار أنظمة دفاع جوي وتشغيلها بواسطة أطقم أو مدربين، فيما تلجأ شركات أخرى إلى مهندسين من مؤسسات الصناعات الدفاعية لتطوير معدات خاصة بها لمواجهة المسيّرات.
ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين حجم التهديد وقدرة منظومات الدفاع الحكومية على تغطية المنشآت المنتشرة على مساحة روسيا الشاسعة، الأمر الذي يدفع القطاع الخاص إلى البحث عن حلول مباشرة لحماية المصانع والمستودعات ومراكز الخدمات اللوجستية.
الإنفاق على مكافحة المسيّرات يقفز
وتظهر البيانات حجم التحول في أولويات الشركات الروسية. فقد أنفقت المؤسسات التجارية أكثر من 440 مليون روبل على أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب سبعة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات نقلتها وكالة «تاس» الروسية.
وتشمل هذه النفقات معدات الكشف والرصد والاتصالات والحرب الإلكترونية ووسائل اعتراض المسيّرات، إضافة إلى حلول دفاعية أخرى.
كما بدأت السلطات الروسية في وضع آليات تسمح بتوفير أسلحة ومعدات دفاعية لوحدات متنقلة مكلفة بحماية المنشآت الصناعية والمدنية، في خطوة تعكس تزايد المخاوف من قدرة المسيّرات على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية.
حراس لمراقبة السماء
ولم يقتصر التغيير على المعدات، بل امتد إلى سوق العمل.
وتظهر إعلانات وظائف على منصة «أفيتو» الروسية بحث شركات عن حراس قادرين على مراقبة الأجواء واكتشاف المسيّرات والتعامل معها. وفي إحدى الوظائف بمنطقة موسكو، يصل الراتب الأساسي إلى نحو 240 ألف روبل شهريًا، أي ما يقارب 3 آلاف دولار، إضافة إلى حوافز.
وتشير هذه الوظائف إلى تحول في طبيعة مهام الأمن الصناعي، بعدما أصبحت حماية المنشآت من الطائرات المسيّرة جزءًا من المسؤوليات التي تبحث عنها الشركات لدى العاملين في الحراسة.
كما سمحت السلطات لموظفي البريد الروسي بحمل أسلحة وذخائر لاستخدامها في مواجهة المسيّرات، دون تحديد أنواع الأسلحة في القرار، بحسب التقارير التي تناولت الإجراءات الجديدة.
هجمات تضرب النفط واللوجستيات
وتأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى على أهداف داخل روسيا.
ووفق شركة «روشان كونسلتينغ» للتحليل الدفاعي، نفذت المسيّرات الأوكرانية منذ مارس نحو 200 هجوم على مصافي نفط روسية، كما استهدفت ما لا يقل عن 36 مركزًا لوجستيًا، بينها منشآت تابعة لشركتي التجارة الإلكترونية «أوزون» و«وايلدبيريز».
وتشير تقارير أخرى إلى أن الهجمات طالت مصافي ومنشآت صناعية وموانئ ومستودعات، ما أدى في بعض الحالات إلى تعطيل العمليات ورفع تكاليف الحماية والإصلاح.
وكانت موسكو قد شهدت في سبتمبر هجومًا واسعًا بالمسيّرات، قالت السلطات الروسية إنه كان الأكبر من نوعه على العاصمة، واستهدف من بين مواقع أخرى مصفاة موسكو ومنشآت للطاقة ومستودعات، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية.
الذكاء الاصطناعي يدخل المواجهة
وفي محاولة لمواكبة التهديد، تعمل شركات التكنولوجيا والأمن الروسية أيضًا على تطوير أنظمة قادرة على اكتشاف وتصنيف المسيّرات.
وتسوق شركة «كاسبرسكي» للأمن السيبراني نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الطائرات المسيّرة وتصنيفها، مع إمكانية دمجه مع معدات دفاع جوي مناسبة لتنفيذ إجراءات الاعتراض.
لكن تطوير هذه المنظومات يواجه تحديات تتعلق بالتنسيق بين الشركات والجيش والجهات الحكومية، خصوصًا فيما يتعلق بالحصول على المعدات والأسلحة اللازمة لحماية المواقع الصناعية.
مطالب بتخفيف كلفة الدفاع
ومع انتقال جزء من عبء الحماية إلى القطاع الخاص، بدأت الحكومة الروسية في بحث إجراءات لتخفيف التكلفة المالية.
ووفق التقارير، اقترحت وزارة المالية الروسية وضع حوافز ضريبية للشركات لتغطية جزء من نفقات الدفاع عن منشآتها وإصلاح الأضرار الناجمة عن الهجمات.
كما تواجه شركات التأمين ارتفاعًا في المطالبات المرتبطة بأضرار المسيّرات، فيما خصص البنك المركزي الروسي تمويلًا لشركة إعادة التأمين الرئيسية في البلاد لمساعدتها على التعامل مع ارتفاع التعويضات.
وفي اجتماع مع الرئيس فلاديمير بوتين في مايو، أثار رئيس اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس ألكسندر شوخين مسألة كيفية إيصال الأسلحة إلى الشركات التي تحاول حماية منشآتها، بينما أبدى بوتين استعداده للنظر في القضية.
من الجيش إلى القطاع الخاص
ويكشف هذا المسار عن تحول أوسع في طبيعة الحرب الجوية فوق الأراضي الروسية. فبدل أن تقتصر مهمة التصدي للمسيّرات على الجيش وأجهزة الأمن، أصبحت المصانع والمستودعات وشركات النقل والتجارة مطالبة بالمشاركة في حماية مواقعها.
ولا يعني ذلك أن القطاع الخاص أصبح بديلًا عن منظومات الدفاع الجوي الروسية، لكنه يشير إلى محاولة توزيع جزء من عبء الحماية على الشركات في ظل اتساع مساحة التهديدات وتنوع الأهداف.
ومع استمرار استخدام أوكرانيا للمسيّرات بعيدة المدى لضرب منشآت مرتبطة بالطاقة والصناعة واللوجستيات، يبدو أن كلفة الحرب باتت تظهر بصورة متزايدة داخل الاقتصاد الروسي نفسه، من خلال الإنفاق على الدفاع والإصلاح والتأمين، إلى جانب اضطراب عمليات الشركات وتغيير طبيعة الوظائف الأمنية.










