واشنطن- المنشر_الاخباري
تكثف الولايات المتحدة ضغوطها على ما تبقى من الشركاء التجاريين لإيران، في محاولة لتضييق القنوات المصرفية والجوية التي لا تزال تربط طهران بالاقتصاد العالمي، ضمن حملة أمريكية أوسع تستهدف عزل إيران عن مصادر التمويل والتجارة والخدمات الدولية.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن مسؤولًا بارزًا في وزارة الخزانة الأمريكية، جوناثان بيرك، أجرى جولة استمرت أسبوعين وشملت دولًا في الشرق الأوسط وأوروبا، حاملاً رسالة مباشرة إلى شركاء إيران مفادها أن استمرار التعامل مع طهران قد يضع علاقاتهم بالنظام المالي الأمريكي تحت الضغط. وقال التقرير إن مسؤولين أمريكيين تواصلوا مع أكثر من 50 دولة في إطار هذه الحملة.
واشنطن توسع سياسة «العقوبات الثانوية»
وتستند الحملة إلى التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الشركات والمؤسسات الأجنبية التي تواصل تقديم خدمات لكيانات إيرانية مستهدفة بالعقوبات الأمريكية.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أعلنت في 8 سبتمبر فرض عقوبات على 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران إيرانية، وحذرت الشركات الأجنبية التي تقدم خدمات لهذه الناقلات من احتمال تعرضها لإجراءات أمريكية وقطع وصولها إلى النظام المالي العالمي.
وقالت الخزانة إن الإجراءات تأتي ضمن عملية أطلقت عليها اسم «العقاب الاقتصادي» (Economic Outcast)، وتستهدف شبكات مالية وتجارية تقول واشنطن إنها تساعد إيران على تجاوز العقوبات أو تمويل أنشطة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
الطيران الإيراني في مرمى الضغوط
وتقول وول ستريت جورنال إن الحملة بدأت تترك آثارًا مباشرة على شبكة الطيران الإيرانية، بعدما اتخذت عدة دول إجراءات ضد شركات الطيران الإيرانية.
وبحسب التقرير، أوقفت سلطنة عمان رحلات شركة «ماهان إير» قبل أن تمنع لاحقًا رحلات شركات الطيران الإيرانية، بينما أوقفت الإمارات رحلات الناقلات الإيرانية واتخذت إجراءات مصرفية ضد فروع بنك ملي الإيراني فيما يتعلق بالمعاملات المرتبطة بإيران.
وفي تركيا، أوقفت السلطات رحلات «ماهان إير»، كما ألغت ترخيص فرع بنك ملت الإيراني، وهو أحد البنوك التي تستخدم في التعاملات التجارية بين البلدين، وفق ما أوردته الصحيفة. كما اتخذت أذربيجان وجورجيا إجراءات مماثلة ضد شركات طيران إيرانية.
وكانت وول ستريت جورنال قد أفادت في وقت سابق بأن شركات تقديم الوقود والمناولة والخدمات الأرضية للطائرات الإيرانية أصبحت معرضة أيضًا للعقوبات الأمريكية إذا واصلت التعامل مع الناقلات المدرجة على قوائم العقوبات.
الضغط يمتد إلى البنوك
ولا تقتصر الحملة الأمريكية على قطاع الطيران، إذ تحاول واشنطن كذلك تضييق القنوات المصرفية التي تستخدمها إيران لإجراء عمليات التجارة الخارجية.
ووفق وول ستريت جورنال، اتخذت الإمارات إجراءات ضد فروع بنك ملي الإيراني، فيما ألغت تركيا ترخيص بنك ملت الإيراني. ويأتي ذلك بعد تحركات أمريكية استهدفت مؤسسات مالية وشبكات تقول واشنطن إنها تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.
وتراهن الولايات المتحدة على أن تهديد المؤسسات الأجنبية بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي سيجعل استمرار التعامل مع إيران أكثر تكلفة ومخاطرة بالنسبة إلى البنوك والشركات في الدول الأخرى.
أكثر من 50 دولة في دائرة الضغط
وبحسب التقرير، عقد مسؤولون من وزارة الخزانة الأمريكية اتصالات مع ممثلين عن أكثر من 50 دولة خلال الحملة، في محاولة لتوسيع نطاق الإجراءات ضد طهران.
وتشير هذه التحركات إلى انتقال الضغط الأمريكي من استهداف المؤسسات الإيرانية مباشرة إلى استهداف البيئة الخارجية التي تسمح لها بالحفاظ على روابطها الدولية، سواء من خلال الطيران أو البنوك أو شركات الخدمات والوساطة.
وتقول واشنطن إن الهدف هو حرمان الحكومة الإيرانية من القنوات التي يمكن استخدامها لتوليد الإيرادات أو نقل الأموال أو الحصول على السلع والتكنولوجيا التي تخضع للعقوبات.
الصين وروسيا خارج دائرة العزلة الكاملة
ورغم اتساع الحملة، لا تزال إيران تحتفظ ببعض الروابط التجارية والجوية المهمة، خصوصًا مع الصين وروسيا.
وأفادت وول ستريت جورنال بأن شركات طيران إيرانية، بينها «ماهان إير»، ما زالت تحتفظ ببعض الرحلات إلى الصين وروسيا، في وقت لا تطبق فيه بكين العقوبات الأمريكية على الناقلات الإيرانية بالطريقة نفسها التي تتبعها بعض الدول الأخرى.
ويعني استمرار هذه القنوات أن الحملة الأمريكية لم تؤدِ إلى قطع جميع الروابط الخارجية لإيران، لكنها تضغط على المسارات التي تمر عبر دول ترتبط بشكل وثيق بالنظام المالي الأمريكي.
ضغوط اقتصادية تتزامن مع مسار تفاوضي
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تحاول فيه طهران فتح مسار تفاوضي مع واشنطن للتوصل إلى ترتيبات تخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
وكانت إيران قد طرحت، وفق تقارير حديثة، مقترحًا لإعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة زمنية محددة مقابل تخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع القيود المفروضة على حركة التجارة والطاقة الإيرانية.
وفي المقابل، يقول المسؤولون الأمريكيون إن العقوبات تستهدف ما تعتبره واشنطن مصادر تمويل للأنشطة الإيرانية الخاضعة للعقوبات، بينما ترى طهران أن توسيع القيود الاقتصادية والجوية جزء من حملة ضغط تستهدف اقتصادها.
«إما طهران أو واشنطن»
وتكشف تحركات بيرك، بحسب وول ستريت جورنال، عن اعتماد واشنطن بصورة أكبر على نفوذها المالي والتجاري لإجبار الدول التي ما زالت تتعامل مع إيران على إعادة حساباتها.
فالدول المعنية تواجه معادلة معقدة: استمرار العلاقات التجارية والمصرفية مع إيران من جهة، مقابل مخاطر التعرض للعقوبات الأمريكية وفقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي من جهة أخرى.
ومع اتساع القيود على الطيران والمصارف، تواجه إيران تضييقًا متزامنًا على اثنين من أهم شرايين ارتباطها بالاقتصاد العالمي. وبينما لا تزال طهران تملك منافذ عبر دول مثل الصين وروسيا، فإن نجاح واشنطن في إقناع مزيد من الدول بتقليص علاقاتها مع إيران قد يجعل تكلفة التجارة الدولية مع طهران أعلى بكثير خلال المرحلة المقبلة.










