تحصينات ومنشآت تحت الأرض في مرمى التهديدات الأميركية.. وطهران تراهن على الانتشار والتمويه والردع الصاروخي
طهران- المنشر_الاخباري
تتصاعد حرب الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، مع تركيز متزايد على طبيعة المنشآت العسكرية الإيرانية المنتشرة في المناطق الصحراوية والجبلية، ولا سيما المواقع المحصنة والمنشآت الموجودة تحت الأرض، في وقت تلوّح فيه واشنطن بإمكانية استئناف الضربات، بينما تؤكد طهران استعدادها لرد أوسع في حال تعرضها لهجوم جديد.
وتكتسب هذه المنشآت أهمية خاصة بسبب صعوبة تحديد بعضها واستهدافها، إذ أظهرت صور أقمار صناعية خلال الأشهر الماضية أعمال تحصين وإخفاء لمداخل أنفاق ومنشآت عسكرية وصاروخية إيرانية، بما في ذلك مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي.
الصحراء كجزء من استراتيجية الدفاع الإيرانية
تمتلك إيران مساحة جغرافية واسعة تضم مناطق صحراوية وجبلية، واستفادت على مدى عقود من هذه الطبيعة الجغرافية في إنشاء مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية تحت الأرض.
وتشير تقارير وتحليلات عسكرية إلى وجود ما يعرف بـ«مدن الصواريخ» الإيرانية، وهي منشآت تحت الأرض تستخدم لتخزين الصواريخ والمعدات وحمايتها من الضربات الجوية.
وتقول مصادر مفتوحة إن إيران تمتلك عدة مواقع صاروخية تحت الأرض في مناطق مختلفة من البلاد، بينها منشآت في محافظات كرمانشاه وسمنان ومناطق قريبة من الخليج.
هذه المنشآت تمنح القوات الإيرانية إمكانية توزيع قدراتها العسكرية بدلاً من تركيزها في قواعد مكشوفة، كما تجعل تدميرها بالكامل أكثر تعقيداً في حال تعرضها لضربة جوية.
تحصينات جديدة ومداخل أنفاق مدفونة
وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها رويترز في فبراير 2026 أعمالاً إيرانية لتحصين عدد من المواقع الحساسة.
وبحسب التحليل، أنشأت إيران غطاءً خرسانياً فوق منشأة جديدة في مجمع بارشين العسكري، ثم غطتها بالتربة، كما ظهرت أعمال لدفن مداخل أنفاق في موقع نووي، وتعزيز مداخل أنفاق قرب منشأة نطنز، إضافة إلى إصلاح قواعد صاروخية تعرضت للقصف.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن إيران لم تكتفِ بإعادة بناء بعض قدراتها بعد الضربات السابقة، بل تعمل أيضاً على تقليل قدرة الخصوم على تحديد الأهداف الحساسة والوصول إليها.
«جبل الفأس».. أحد أصعب الأهداف
ومن بين المنشآت التي تثير اهتمام واشنطن موقع «جبل الفأس» (Pickaxe Mountain)، وهو موقع محصن يقع تحت الأرض بالقرب من مجمع نطنز النووي.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدد في سبتمبر باستهداف الموقع، وقال إن الولايات المتحدة تعرف الأشخاص الموجودين فيه وتعرف ما يجري في الموقع وفي مناطق أخرى من إيران.
وتشير تقارير استخباراتية وتحليلات صور الأقمار الصناعية إلى استمرار أعمال البناء في الموقع المدفون داخل منطقة جبلية، الأمر الذي يزيد من صعوبة تقييم ما يجري داخله من الخارج.
واشنطن تراهن على التفوق الاستخباراتي والجوي
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قدرات متقدمة في مجال الاستطلاع والمراقبة، إلى جانب طائرات وقاذفات بعيدة المدى وصواريخ دقيقة يمكن استخدامها ضد أهداف بعيدة ومحَصنة.
وسبق للقوات الأميركية أن نفذت ضربات ضد أهداف إيرانية، كما أعلنت واشنطن في أغسطس 2026 تنفيذ ضربة ضد قاذفتين إيرانيتين في جزيرة لارك، في أول ضربة أميركية معروفة على إيران منذ أواخر يوليو، وفق مسؤول أميركي نقلت عنه رويترز.
وبالتالي، فإن اتساع الأراضي الإيرانية وانتشار المنشآت لا يعني بالضرورة أنها خارج نطاق الرصد أو الاستهداف الأميركي، لكنه يزيد من صعوبة تحديد جميع الأهداف وتقييم الأضرار الناتجة عن أي ضربة.
طهران تستعد لرد أوسع
وفي أحدث مؤشر على تصاعد التوتر، نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين أن طهران تستعد لرد «أقوى وأوسع» إذا استأنفت الولايات المتحدة هجمات كبيرة عليها.
وبحسب التقرير، يناقش قادة إيرانيون توسيع نطاق الأهداف المحتملة لتشمل، إلى جانب المصالح الأميركية، دولاً تدعم العمليات الأميركية وربما أهدافاً خارج منطقة الشرق الأوسط. ولم يصدر قرار نهائي بهذا الشأن، وفق المصادر نفسها.
كما أفادت المصادر بأن جماعات حليفة لإيران في لبنان واليمن والعراق تلقت توجيهات بالاستعداد في حال تجدد الهجوم الأميركي واسع النطاق.
حرب ردع تمتد من الصحراء إلى المنطقة
وتكشف هذه التطورات أن الصراع بين واشنطن وطهران لا يقتصر على الضربات العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى حرب ردع ورسائل متبادلة.
فواشنطن تحاول التأكيد أن المنشآت الإيرانية، مهما كانت محصنة أو بعيدة، يمكن رصدها واستهدافها، بينما تراهن طهران على الجمع بين الجغرافيا الواسعة، والمنشآت تحت الأرض، وتوزيع القدرات العسكرية، والقدرة على الرد بالصواريخ والمسيّرات.
وفي الوقت نفسه، فإن أي جولة جديدة من الضربات قد تكون لها تداعيات تتجاوز الأراضي الإيرانية، خصوصاً أن طهران هددت بتوسيع نطاق الرد في حال تعرضت لهجوم أميركي جديد.
الدبلوماسية لا تزال حاضرة
ورغم التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، لا تزال الاتصالات الدبلوماسية قائمة.
وتقول رويترز إن إيران قدمت عبر وسطاء قطريين مقترحاً يتضمن رفع العقوبات وتحرير أموال إيرانية مجمدة، بينما لا تزال الخلافات قائمة بشأن البرنامج النووي وشروط استئناف المفاوضات.
ويضع ذلك الطرفين أمام معادلة معقدة: الاستعداد العسكري تحسباً لجولة جديدة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي.
وفي ظل استمرار أعمال التحصين الإيرانية والتهديدات الأميركية، أصبحت المنشآت العسكرية المدفونة في أعماق الجبال والصحاري الإيرانية واحدة من أبرز رموز المواجهة بين الطرفين، فيما يبقى حجم التصعيد المقبل مرتبطاً بما إذا كانت المفاوضات ستنجح في احتواء الأزمة أم ستعود الضربات إلى الواجهة.








