تصاعدت حدة الأزمة الدستورية والسياسية في الصومال، عقب تقارير عن دخول قوات أمنية أرسلت من القصر الرئاسي بالقوة إلى مقر المحكمة العليا في العاصمة مقديشو، بهدف إخراج رئيس المحكمة الدكتور باشي يوسف، الذي أعفاه الرئيس حسن شيخ محمود من منصبه، في خطوة أثارت مواجهة مباشرة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة القضائية، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن استقلال القضاء وشرعية القرارات الدستورية الأخيرة.
وأفادت معلومات متداولة بأن القوات دخلت مبنى المحكمة العليا في محاولة لإنهاء رفض باشي يوسف تنفيذ قرار إعفائه، بعدما أعلن عدم اعترافه بالقرار الرئاسي وتمسكه بموقعه، مستندا إلى وجود نزاع قضائي بشأن الدستور الجديد والإجراءات القانونية المرتبطة بإقراره.
وفي تطور لاحق، ذكرت تقارير أن القوات الموجودة داخل مقر المحكمة تسلمت مكاتب الموظفين والعاملين التابعين لرئيس المحكمة المعزول، الأمر الذي دفع باشي يوسف إلى مغادرة المبنى والتوجه إلى منزله، بعد أن أصبحت السيطرة على المكاتب والإدارة داخل المحكمة بيد القوات الموجودة في المقر.
وأضافت المعلومات المتداولة أن قوات أمنية انتشرت بالقرب من منزل رئيس المحكمة المعزول عقب وصوله إليه، دون توفر تفاصيل مؤكدة بشأن طبيعة هذه الإجراءات، أو ما إذا كان الانتشار الأمني يهدف إلى مراقبة تحركاته أو فرض قيود على إقامته. ولم يصدر حتى الآن توضيح رسمي يؤكد وضعه تحت الإقامة الجبرية أو يحدد طبيعة الإجراءات المتخذة بحقه.
باشي يوسف يرفض قرار الإقالة ويتمسك بشرعيته
وكان الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود قد أصدر قرارا بإعفاء الدكتور باشي يوسف من رئاسة المحكمة العليا، إلا أن الأخير رفض القرار بشكل قاطع، مؤكدا عدم قبوله به وعدم اعترافه بالإجراء الرئاسي، في ظل استمرار الخلاف بشأن الأسس الدستورية والقانونية التي استند إليها قرار الإعفاء.
وقال باشي يوسف إن الدستور الجديد لا يزال محل دعوى قضائية منظورة، مشيرا إلى أن القضية ترتبط بإجراءات دستورية وقانونية لم يحسم الجدل بشأنها حتى الآن، وهو ما يثير، بحسب موقفه، تساؤلات حول مشروعية القرارات التي تستند إلى الترتيبات الدستورية الجديدة.
وربط رئيس المحكمة المعزول موقفه من الإقالة بالخلاف الأوسع حول الدستور الجديد والعملية الانتخابية الفيدرالية، ملمحا إلى عزمه اتخاذ مواقف وقرارات مناهضة للتعديلات الدستورية والإجراءات الانتخابية التي تتبناها الحكومة الفيدرالية.
ويضع هذا الرفض المؤسسات الصومالية أمام نزاع غير مسبوق في حدته بين الرئاسة ورئيس أعلى هيئة قضائية، إذ لم يعد الخلاف مقتصرا على قرار إداري يتعلق بتغيير قيادة المحكمة، بل امتد إلى شرعية الإطار الدستوري الذي تستند إليه مؤسسات الدولة، وحدود صلاحيات السلطات التنفيذية والقضائية.
قضاة يرفضون الدستور الجديد ويشككون في شرعية ولاية الرئيس
وفي تطور يزيد تعقيد الأزمة، أعلن باشي يوسف، إلى جانب عدد من القضاة، رفضهم للدستور الجديد لجمهورية الصومال الفيدرالية، في موقف يعكس اتساع دائرة الاعتراضات القانونية على التعديلات الدستورية التي تدفع بها الحكومة.
وبحسب المعلومات المتداولة، وصف القضاة الرئيس حسن شيخ محمود بأنه رئيس انتهت ولايته، في إشارة إلى اعتراضهم على شرعية استمرار المؤسسات الفيدرالية في ممارسة مهامها وفق الترتيبات الدستورية الجديدة، وما يرتبط بها من تغييرات في النظام السياسي والانتخابي.
ويعكس هذا الموقف تصاعد الخلاف بشأن الأساس القانوني لاستمرار الرئيس في منصبه، خصوصا مع وجود دعوى قضائية للطعن في إجراءات إقرار الدستور الجديد، وما قد يترتب على هذه التعديلات من تغييرات في صلاحيات المؤسسات الفيدرالية وآليات اختيار السلطات وتحديد مدد الولايات الدستورية.
ولم تتضح حتى الآن القائمة الكاملة للقضاة الذين أعلنوا رفضهم للدستور الجديد، كما لم تتوفر وثيقة رسمية تفصيلية توضح الأسس القانونية التي استندوا إليها في موقفهم أو في توصيفهم لولاية الرئيس حسن شيخ محمود.
صراع على الدستور والانتخابات الفيدرالية
وتأتي المواجهة الحالية في ظل خلافات متصاعدة بشأن التعديلات الدستورية ومسار الانتخابات الفيدرالية في الصومال، حيث تثير الإجراءات التي تتبناها الحكومة اعتراضات من أطراف سياسية وقضائية ترى أنها تحتاج إلى توافق أوسع وضمانات قانونية واضحة.
ويتركز جانب أساسي من النزاع حول شرعية إقرار الدستور الجديد، ومدى توافق الإجراءات المتخذة مع القواعد الدستورية القائمة، فضلا عن انعكاسات التعديلات على شكل النظام السياسي وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات الفيدرالية.
كما يرتبط الخلاف بالعملية الانتخابية، في ظل اعتراضات على الإجراءات التي تتبناها الحكومة الفيدرالية لتنظيم الاستحقاقات المقبلة، وهو ما جعل النزاع الدستوري يمتد إلى مستقبل الترتيبات السياسية في البلاد.
ويزيد رفض رئيس المحكمة العليا قرار إقالته من تعقيد المشهد، لأن استمرار النزاع بشأن شاغل المنصب قد يثير إشكالات تتعلق بمن يملك صلاحية إدارة المحكمة، ومدى الاعتراف بالقرارات الصادرة عنها، والجهة المخولة قانونيا بحسم الخلاف بين الرئاسة ورئيس المحكمة.
مخاوف على استقلال القضاء ومؤسسات الدولة
وتثير التقارير المتعلقة بدخول القوات إلى مبنى المحكمة العليا وتسلمها مكاتب الموظفين تساؤلات جدية بشأن حدود تدخل السلطة التنفيذية في عمل المؤسسة القضائية، خصوصا أن الواقعة تأتي في سياق نزاع قانوني قائم حول قرار إعفاء رئيس المحكمة والدستور الجديد.
ويرى مراقبون أن أي مواجهة بين الرئاسة والسلطة القضائية قد تترك تداعيات تتجاوز الخلاف على قيادة المحكمة، لتؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسسات الدستورية، وفي قدرة القضاء على أداء دوره باستقلالية بعيدا عن الضغوط السياسية والأمنية.
كما أن انتشار القوات بالقرب من منزل باشي يوسف، وفق التقارير المتداولة، يضيف بعدا أمنيا إلى الأزمة، بعدما انتقل الخلاف من أروقة المؤسسات الدستورية إلى الإجراءات الميدانية، بما قد يزيد احتمالات التصعيد بين الأطراف المعنية.
ومع ذلك، لا تزال تفاصيل دخول القوات إلى المحكمة والسيطرة على المكاتب والانتشار الأمني قرب منزل رئيسها المعزول بحاجة إلى تأكيد رسمي، إذ لم يصدر حتى الآن توضيح من الرئاسة الصومالية أو المحكمة العليا بشأن هذه الوقائع، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع المعلومات المتداولة.
وتضع هذه التطورات الصومال أمام اختبار مؤسسي حساس، في ظل تداخل الصراع السياسي مع النزاع الدستوري والقضائي، واحتمال انعكاسه على عمل المؤسسات الفيدرالية خلال المرحلة المقبلة.
وتبقى الأنظار متجهة إلى مواقف البرلمان والقضاة والسلطات الفيدرالية، وما إذا كانت الأطراف ستتجه إلى تسوية قانونية تحسم الخلاف بشأن إقالة باشي يوسف والدستور الجديد، أم أن الأزمة ستتحول إلى مواجهة أوسع تهدد استقلال القضاء واستقرار مؤسسات الدولة في الصومال.








