بكين – المنشر_الاخباري
تشهد المناطق الحدودية بين الصين والهند تصعيداً عسكرياً جديداً في ولاية أروناتشال براديش شمال شرقي الهند، وسط تقارير عن مواجهات واحتكاكات متكررة بين قوات البلدين، واتهامات هندية بزيادة الوجود العسكري الصيني في مناطق متنازع عليها، في تطور يعيد التوتر إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في آسيا.
وتفجرت القضية مجدداً عقب تصريحات مسؤولين هنود، أكدوا استمرار المواجهات الميدانية بين القوات الهندية وعناصر جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) في عدة نقاط حدودية، وسط مخاوف من أن تؤدي التحركات العسكرية المتبادلة إلى تصعيد أوسع بين القوتين النوويتين.
اتهامات بتقدم القوات الصينية لمسافة 50 كيلومتراً
وفي تطور لافت، اتهم بوسيرام سيرام، رئيس حزب المؤتمر الوطني الهندي في ولاية أروناتشال براديش، القوات الصينية بالتقدم لمسافة تتراوح بين 40 و50 كيلومتراً داخل مناطق تعتبرها الهند جزءاً من أراضيها، وتحديداً في منطقة أبر سوبانسيري (Upper Subansiri).
وقال سيرام إن وفداً سياسياً زار المناطق الحدودية خلال الفترة من 26 إلى 29 أغسطس الماضي، وشملت الزيارة مناطق ناتشو ولايمينغ وتاكسينغ، حيث التقى الوفد عدداً من السكان المحليين واستمع إلى شهاداتهم بشأن التحركات الصينية.
وأضاف أن عناصر من الجيش الصيني يتمركزون في مواقع مرتفعة على قمم الجبال، بينما تتمركز القوات الهندية في مواقع أدنى، مدعياً أن الوجود الصيني المتزايد أدى إلى تقييد حركة السكان المحليين ومنعهم من الوصول بحرية إلى مناطق تقليدية يستخدمونها للرعي والصيد وجمع المنتجات الحرجية.
كما أشار إلى منطقة أسافيلا (Asaphila)، مدعياً أن الصين فرضت سيطرتها على أجزاء منها ومواقع استراتيجية أخرى، مطالباً الحكومة الهندية بإجراء تحقيق مستقل لتحديد حقيقة الأوضاع الميدانية.
لكن هذه الادعاءات لم تخضع لتحقق مستقل يثبت حدوث تقدم صيني لمسافة 40 إلى 50 كيلومتراً أو انتقال السيطرة على تلك المساحة إلى بكين.
مواجهات متكررة واعتراف رسمي باحتكاكات حدودية
وتزامنت هذه الاتهامات مع تصريحات لمدير عام قوة شرطة الحدود الهندية التبتية، شاترو جيت كابور، أكد فيها وقوع مواجهات واحتكاكات بين القوات الهندية والصينية في عدة مواقع بولاية أروناتشال براديش، مشيراً إلى أن بعض هذه المواجهات لا تزال مستمرة.
وتحدثت تقارير عن احتكاكات ميدانية منذ أواخر يوليو الماضي بالقرب من منطقتي أسافيلا وتاكسينغ، تضمنت مواجهات بين الجنود ومحاولات متبادلة لتعزيز الوجود في المناطق الحدودية.
وفي المقابل، أشارت مصادر دفاعية هندية إلى استمرار انتشار أعداد كبيرة من القوات في المنطقة لمنع التصعيد، دون تأكيد وقوع هزيمة عسكرية هندية أو انسحاب واسع أمام القوات الصينية.
نيودلهي تنفي فقدان السيطرة على أراضيها
وعلى الجانب السياسي، رفض رئيس وزراء ولاية أروناتشال براديش، بيما كاندو، الادعاءات المتعلقة بتوغل صيني لمسافة 40 إلى 50 كيلومتراً، مؤكداً أن الوضع الحدودي أصبح طبيعياً، وأن القوات المسلحة الهندية تواصل أداء مهامها في حماية الحدود.
ومع ذلك، أقر كاندو بحدوث تجاوزات حدودية متكررة، موضحاً أن الخلاف حول خط الحدود الفعلي بين البلدين يجعل دخول دوريات من الجانبين إلى مناطق يعتبرها الطرف الآخر ضمن نطاقه أمراً متكرراً.
كما أوضحت وزارة الخارجية الهندية أن الأوضاع على طول خط السيطرة الفعلية تتأثر من وقت لآخر عندما تخرج القوات الصينية عن أنماط الدوريات المتفق عليها.
وفي تطور آخر، كشف الجيش الهندي عن مقاطع فيديو مضللة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، زعمت سيطرة القوات الصينية على مناطق في أروناتشال براديش، مؤكداً أن بعض هذه المقاطع لا علاقة لها بالحدود الهندية الصينية.
الصين ترفض اتهامات التوسع العسكري
من جانبها، أكدت بكين أنها تلتزم بالاتفاقيات والتفاهمات القائمة مع الهند، وأن الدوريات التي تنفذها قواتها على الحدود تعد أنشطة طبيعية تهدف إلى حماية السيادة والحفاظ على الاستقرار.
ودعت الخارجية الصينية الجانب الهندي إلى تنفيذ التفاهمات المشتركة والحفاظ على الهدوء في المناطق الحدودية، مؤكدة استمرار الاتصالات بين البلدين عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الخلافات حول ترسيم الحدود، وعدم وجود اتفاق نهائي يحدد بصورة قاطعة خط السيطرة الفعلية في عدد من المناطق الجبلية.
تحركات عسكرية ومفاوضات لاحتواء الأزمة
وفي محاولة لاحتواء التوتر، عقد مسؤولون عسكريون من البلدين اجتماعاً على مستوى قادة الفرق في السادس من سبتمبر الماضي عند نقطة فاشا-داماي الحدودية بولاية أروناتشال براديش، لمناقشة الاحتكاكات والمشكلات المرتبطة بالدوريات العسكرية.
كما عقدت الصين والهند جولات من المحادثات الدبلوماسية والعسكرية خلال الأشهر الماضية، في محاولة لمنع تدهور العلاقات وإعادة الاستقرار إلى المناطق الحدودية.
لكن استمرار المواجهات في عدة نقاط يشير إلى أن الخلافات الميدانية لم تُحل بصورة نهائية، رغم الاتصالات المتواصلة بين بكين ونيودلهي.
خلفية الصراع بين الصين والهند
وتعود جذور النزاع الحدودي بين البلدين إلى عقود طويلة، حيث تطالب الصين بالسيادة على ولاية أروناتشال براديش الهندية، وتطلق عليها اسم «جنوب التبت»، بينما ترفض نيودلهي المطالب الصينية وتعتبر الولاية جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
وشهدت العلاقات العسكرية بين البلدين مواجهات خطيرة، أبرزها الحرب الصينية الهندية عام 1962، ثم الاشتباكات الدامية في وادي غالوان عام 2020، التي أسفرت عن مقتل جنود من الجانبين، قبل تجدد الاحتكاكات في منطقة تاوانغ عام 2022.
وتخشى الأوساط السياسية والأمنية من أن يؤدي استمرار التنافس العسكري على الحدود إلى تقويض جهود تطبيع العلاقات بين أكبر دولتين من حيث عدد السكان في العالم.
هل تتجه المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة؟
تضع التطورات الأخيرة العلاقات الصينية الهندية أمام اختبار جديد، في ظل استمرار التحركات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن السيطرة على المناطق الحدودية.
ورغم التقارير التي تتحدث عن تقدم صيني داخل مناطق تطالب بها الهند، فإن المعطيات المتاحة لا تثبت حتى الآن وقوع هزيمة للقوات الهندية أو سيطرة صينية مؤكدة على 50 كيلومتراً من الأراضي الهندية.
ويبقى استمرار الاحتكاكات العسكرية، وتضارب الروايات بشأن الوضع الميداني، عاملاً رئيسياً في إبقاء المنطقة تحت ضغط أمني وسياسي، وسط ترقب لما ستسفر عنه الاتصالات بين بكين ونيودلهي خلال المرحلة المقبلة.









