قررت مصر خفض إمدادات الغاز الطبيعي الموجهة إلى مصانع الأسمدة بنسبة 33% إضافية، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط على سوق الطاقة المحلية، مع ارتفاع تكلفة واردات الغاز الطبيعي المسال وتراجع قدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات الاستهلاك، وفقا لإفصاح شركة مصر لإنتاج الأسمدة «موبكو» ومسؤولين بقطاع الصناعة.
وأعلنت شركة موبكو، في إفصاح للبورصة المصرية اليوم الأحد، أنها تلقت إخطارا بتقليص إمدادات الغاز الطبيعي المخصصة لمصانع الأسمدة بنسبة 33%، وذلك بعد خفض سابق بلغ 20%، ما يرفع إجمالي نسبة التقليص إلى نحو 53% خلال أقل من أسبوع، ويضع صناعة الأسمدة أمام تحديات جديدة تتعلق بمعدلات التشغيل والإنتاج.
ويأتي القرار في إطار تحركات حكومية تستهدف ترشيد استهلاك الطاقة والحد من فاتورة استيراد الغاز الطبيعي المسال، التي ارتفعت تكلفتها بالتزامن مع صعود الأسعار العالمية وتراجع المعروض، فضلا عن تأثر أسواق الطاقة بالتوترات الجيوسياسية والحرب المرتبطة بإيران.
وكانت شركات الأسمدة والبتروكيماويات قد تلقت إخطارا من وزارة البترول، وفقا لما نقله ممثلو شركات وأعضاء باتحاد الصناعات المصرية، بخفض إمدادات الغاز بنسبة 20% اعتبارا من الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ولمدة غير محددة، قبل أن يأتي التقليص الجديد ليزيد الضغوط على الشركات المنتجة.
فجوة الإنتاج والاستهلاك تزيد أزمة الغاز
تواجه مصر تحديا متزايدا في توفير احتياجاتها من الغاز الطبيعي، نتيجة اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، إذ يقدر الإنتاج بنحو 3.7 مليارات قدم مكعبة يوميا، مقابل استهلاك يصل إلى نحو 6.2 مليارات قدم مكعبة خلال فصل الشتاء، ويرتفع إلى ما بين 7.2 و7.5 مليارات قدم مكعبة يوميا خلال ذروة الصيف.
وتفرض هذه الفجوة على الحكومة الاعتماد بصورة متزايدة على واردات الغاز الطبيعي المسال لتوفير احتياجات محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية، في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية ارتفاعا في الأسعار وتحديات تتعلق بتأمين الشحنات.
كما أسهمت التوترات الإقليمية والحرب المرتبطة بإيران في زيادة الضغوط على إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما انعكس على تكلفة الاستيراد، ودفع القاهرة إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وإعادة ترتيب أولويات استخدام الوقود المتاح.
مصانع الأسمدة أمام تحديات الإنتاج
يمثل خفض إمدادات الغاز ضربة جديدة لصناعة الأسمدة، التي تعتمد على الغاز الطبيعي باعتباره مادة أساسية في عمليات التصنيع والإنتاج، وليس مجرد مصدر لتشغيل المعدات والمنشآت.
وكانت شركتا موبكو وأبو قير للأسمدة والصناعات الكيماوية قد أعلنتا، عقب التقليص السابق، العمل على إدارة الإنتاج وفقا لكميات الغاز المتاحة، مع اتخاذ إجراءات تتعلق بإدارة المخزون وإعادة جدولة أعمال الصيانة بما يتناسب مع ظروف التشغيل الجديدة.
ويثير استمرار خفض الإمدادات مخاوف بشأن انعكاساته على الطاقة الإنتاجية للمصانع، واحتمالات تراجع المعروض المحلي من الأسمدة، فضلا عن إمكانية ارتفاع تكاليف الإنتاج إذا استمرت القيود لفترة طويلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بسبب الارتباط المباشر بين صناعة الأسمدة والقطاع الزراعي، إذ يمثل توافر الأسمدة بأسعار مناسبة أحد العوامل المؤثرة في تكلفة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، ما يجعل استمرار خفض الغاز تحديا يتجاوز حدود القطاع الصناعي.
فاتورة استيراد الغاز تضغط على الموارد الدولارية
تتزايد الضغوط المالية على الحكومة المصرية مع ارتفاع تكلفة توفير الغاز الطبيعي المسال، إذ تشير البيانات المنقولة عن مصادر وتقارير مرتبطة بقطاع الطاقة إلى أن وزارة البترول رصدت نحو 10.1 مليارات دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال خلال السنة المالية 2026-2027، فيما بلغت النفقات نحو 5.8 مليارات دولار حتى السادس من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وتأتي هذه الأعباء في ظل تجاوز أسعار الغاز تقديرات الموازنة المخصصة للاستيراد، ما يزيد الحاجة إلى إدارة الاستهلاك المحلي وتقليل الاعتماد على الشحنات المستوردة مرتفعة التكلفة.
وفي هذا السياق، اتجهت الهيئة المصرية العامة للبترول إلى زيادة وارداتها من زيت الوقود باعتباره بديلا أقل تكلفة نسبيا في بعض الاستخدامات، حيث اشترت ست شحنات من زيت الوقود عالي الكبريت، على أن يتم تسليمها خلال شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول.
كما سجلت واردات الغاز الطبيعي المسال ارتفاعا خلال العام الجاري، وبلغت أعلى مستوياتها منذ بداية العام في يوليو/تموز، قبل أن تتراجع اعتبارا من أغسطس/آب، وسط استمرار التحديات المرتبطة بتوفير الإمدادات وتكلفة الشراء.
هل تمتد إجراءات الترشيد إلى قطاعات صناعية أخرى؟
يفتح قرار خفض الغاز لمصانع الأسمدة الباب أمام تساؤلات بشأن نطاق إجراءات ترشيد الطاقة التي تتبناها الحكومة المصرية، وما إذا كانت ستظل مقتصرة على الجهات الحكومية والمشروعات كثيفة الاستهلاك، أم ستتسع لتشمل قطاعات صناعية أخرى.
وكانت الحكومة قد أقرت حزمة إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة والإنفاق داخل الجهات التابعة للدولة لمدة ثلاثة أشهر، تضمنت خفض استهلاك الكهرباء والإنارة بنسبة 20%، وتقليص استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%، إلى جانب إرجاء أو إبطاء تنفيذ بعض المشروعات القومية كثيفة الاستهلاك للوقود.
وأكدت الحكومة أن هذه الإجراءات لا تستهدف تطبيق تخفيف الأحمال على المنازل، وإنما تركز على ضبط استهلاك الجهات الحكومية، مع استمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
كما تضمنت القرارات استثناء قطاعات حيوية، بينها الصحة والرعاية الطبية والأمن القومي، إلى جانب دعم السلع التموينية ومعاشات الضمان الاجتماعي وبرنامج تكافل وكرامة، ومشروعات الصحة والتعليم ومياه الشرب والصرف الصحي والأمن المائي والغذائي.
ومع ذلك، فإن انتقال إجراءات تقليص الإمدادات إلى مصانع الأسمدة يطرح تحديات تتعلق بقدرة القطاعات الصناعية على الحفاظ على معدلات الإنتاج، خاصة أن الغاز يمثل مدخلا إنتاجيا رئيسيا في عدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
التعاون مع ليبيا للبحث عن مصادر إضافية للطاقة
بالتوازي مع إجراءات ترشيد الاستهلاك، تسعى القاهرة إلى تعزيز التعاون مع ليبيا في مجالات النفط والغاز والكهرباء، بهدف تنويع مصادر الطاقة وتخفيف الضغوط على فاتورة الاستيراد.
وفي هذا الإطار، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال زيارته إلى طرابلس، تسريع تنفيذ مشروعات مشتركة تشمل إنشاء خطوط لأنابيب الغاز، وتكرير النفط الليبي داخل المصافي المصرية وإعادة تصديره، إلى جانب تعزيز الربط الكهربائي بين البلدين.
وأبدى وزير النفط والغاز الليبي بالإنابة خليفة عبد الصادق استعداد بلاده لمواصلة تنفيذ المشروعات المشتركة، مع الترتيب لزيارة القاهرة لاستكمال المباحثات الفنية مع وزيري البترول والكهرباء المصريين.
ولم تتضمن البيانات المعلنة تفاصيل بشأن التكلفة الاستثمارية لهذه المشروعات أو الجداول الزمنية لتنفيذها، ما يعني أن تأثيرها الفعلي على إمدادات الطاقة المصرية سيظل مرتبطا بنتائج المباحثات الفنية ومدى التقدم في تنفيذ الاتفاقات.
وتكشف التطورات الأخيرة في سوق الغاز المصري عن تحديات متشابكة تجمع بين تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة الطلب على الطاقة، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة لتحقيق التوازن بين تأمين احتياجات الكهرباء والصناعة والحفاظ على الموارد الدولارية.
وفي ظل وصول إجمالي خفض إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة إلى نحو 53% خلال فترة قصيرة، تظل قدرة الشركات على مواصلة الإنتاج، ومدى استمرار القيود على الإمدادات، من أبرز الملفات التي ستحدد اتجاهات الصناعة خلال الفترة المقبلة، وانعكاساتها المحتملة على سوق الأسمدة والقطاع الزراعي والاقتصاد المصري.











