إثيوبيا تشتعل من جديد: تحالفات سرّية وصراع نفوذ يهددان بتمزيق الدولة من تيغراي إلى أمهرة
إثيوبيا تقف اليوم على حافة حرب جديدة، بعد تجدد الاشتباكات العنيفة فى إقليم تيغراي وتوسع رقعة التوتر إلى أقاليم أخرى، في مشهد يهدد بانهيار ما تبقى من اتفاق سلام 2022 وعودة شبح الحرب الأهلية إلى القرن الأفريقي
خلفية توتر يتجدد في تيغراي
بعد عامين فقط من وقف إطلاق النار الذي أنهى رسميا حربا مدمرة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر من جديد مع اشتباكات متفرقة ثم واسعة النطاق في غرب وجنوب تيغراي
مصادر أمنية ودبلوماسية تحدثت عن أن الاشتباكات اندلعت في منطقة تسلمت المتنازع عليها في غرب الإقليم، بين الجيش الإثيوبي وقوات تيغرانية، في منطقة ما زالت تُطالب بها مليشيات ومجموعات مسلّحة من إقليم أمهرة المجاور
هذه التطورات تأتي في سياق تراكم خلافات لم تُحسم بشأن الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وتنفيذ بنود نزع سلاح قوات تيغراي، ما جعل اتفاق بريتوريا هشًّا أمام أي شرارة ميدانية
.إلى جانب ذلك، ما يزال الإقليم يعاني من آثار الحرب السابقة، وسط تراجع واضح في المساعدات الدولية واتهامات بانسحاب مانحين رئيسيين، الأمر الذي ترك ملايين المدنيين في مواجهة أزمات غذاء وصحة حادة
.تفاصيل الاشتباكات الأخيرة واستخدام الطائرات المسيّرةخلال الأيام الأخيرة من يناير 2026، تفجرت الاشتباكات حول بلدة تسلمت ومناطق مجاورة في غرب تيغراي، ثم امتدت المخاوف إلى مدن أخرى في الإقليم مع تحركات عسكرية وإجراءات أمنية مشددة
رد فعل سريع تمثل في إعلان شركة الخطوط الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى عدد من مدن تيغراي، من بينها ميكيلي وعكسوم وشيرى، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من انزلاق الوضع إلى حرب شاملة وقطع شريان الاتصال الجوي الوحيد تقريبا مع الإقليم
.التصعيد الأخطر تمثل في تقارير عن ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت شاحنتين من نوع «إيسوزو» قرب بلدتي إنتيشو وغِندِبت في تيغراي، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة آخر
مسؤول تيغراني حمّل الجيش الوطني الإثيوبي مسؤولية الضربة، فيما لم يصدر رد رسمي من قيادة الجيش، في حين أظهرت صور نشرتها وسيلة إعلام محسوبة على جبهة تحرير تيغراي شاحنات متضررة قيل إنها كانت تنقل مواد غذائية وأدوات طبخ، بينما اتهمت حسابات موالية للحكومة تلك الشاحنات بنقل أسلحة
.صراع روايات ومسؤوليات متبادلة
الاشتباكات الأخيرة فتحت الباب مجددا لصراع الروايات بين أديس أبابا وقيادة تيغراي، في ظل غياب مراقبة دولية فعّالة على الأرض
الحكومة الإثيوبية تتهم قيادات داخل جبهة تحرير تيغراي بإعادة تنظيم صفوفها ونسج تحالفات مع أطراف معادية لإثيوبيا، في إشارة ضمنية إلى دور إريتريا، وتقول إن هذه التحركات تهدف لإعادة إشعال الحرب وعرقلة مسار السلام
في المقابل، تتحدث شخصيات تيغرانية عن «أجنحة متشددة» داخل الجبهة وخارجها، وعن مسؤولية الحكومة الفيدرالية عن ترك ملفات الأرض والنازحين دون حل، إضافة لبقاء قوات من أمهرة وإريتريا في مناطق من تيغراي خلافا لروح اتفاق 2022
.هذه الاتهامات المتبادلة تعمق حالة انعدام الثقة بين الجانبين، وتغذّي خطابا قوميا متشددا في أقاليم عدة، أبرزها أمهرة وأوروميا، حيث تشهد تلك المناطق بدورها مواجهات بين قوات الحكومة ومليشيات محلية مثل «فانو» في أمهرة وحركة «جيش تحرير أورومو» في أوروميا
.أبعاد إنسانية واقتصادية خطيرة
التجدد المحتمل للحرب في تيغراي لا يأتي في فراغ، إذ ما يزال الإقليم يعيش وضعا إنسانيا هشا؛ تقارير منظمات إغاثية تشير إلى أن غالبية السكان يعتمدون على المساعدات، في وقت تعاني فيه المنظمات من فجوات تمويلية كبيرة
خلال الحرب السابقة، تسبب القتال والحصار في انهيار أجزاء واسعة من النظام الصحي، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وأدى إلى مقتل مئات الآلاف بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو سيناريو يحذّر خبراء من إمكانية إعادة إنتاجه إذا انهار وقف إطلاق النار بالكامل
.اقتصاديا، يمثل تعليق الرحلات الجوية إلى مدن تيغراي ضربة إضافية لحركة التجارة والتنقل، ويبعث برسالة سلبية للمستثمرين، كما يزيد من عزلة الإقليم عن بقية البلاد والعالم، ويُصعّب عمل الصحفيين والهيئات الدولية في الوصول إلى مناطق التوتر
.تحركات دولية وتحذيرات من الانزلاق
الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي أطلقوا خلال الأيام الماضية سلسلة من التحذيرات من عودة المواجهات الواسعة في الشمال الإثيوبي، داعين جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار
الأمين العام للأمم المتحدة حذر من أن أي تصعيد عسكري جديد في تيغراي قد تكون له «عواقب وخيمة» على المدنيين، وقد يزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها، وطالب بتنفيذ كامل لبنود اتفاق بريتوريا، بما يشمل انسحاب القوات غير التابعة للحكومة المركزية من الإقليم
في الوقت نفسه، تؤكد تقارير تحليلية أن استمرار العنف في إقليم أمهرة وتصاعد التوتر في أوروميا، بالتوازي مع عودة القتال إلى تخوم تيغراي، يضعان الدولة الإثيوبية أمام تحدي التفكك التدريجي، إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي منطق المعالجة الأمنية المنفردة
.بهذا المشهد، تبدو إثيوبيا أمام مفترق طرق حاسم: إما إنقاذ اتفاق السلام الهش عبر تنازلات حقيقية وضمانات دولية، أو الانزلاق إلى جولة جديدة من الحرب قد لا تبقى مقتصرة على تيغراي، بل تمتد إلى أقاليم أخرى وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر ظلاما للمنطقة بأسرها .










