دراسة أمريكية تكشف عن تحول أيديولوجي خطير داخل أروقة الحرس الثوري، وتحذر من عواقبه على الأمن الإقليمي والدولي
في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع المفاوضات الدائرة بين القوى الدولية والجمهورية الإسلامية الإيرانية حول إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، أصدر معهد الشرق الأوسط في واشنطن دراسة مثيرة للجدل تكشف عن تحول أيديولوجي عميق داخل الحرس الثوري الإيراني، يتمثل في صعود ما أسمته “طائفة المهدية العسكرية” في أروقة هذه المؤسسة العسكرية النافذة.
وتصف الدراسة هذا التحول بأنه “تهديد وجودي” للاستقرار الإقليمي والدولي، محذرةً من أن تداعياته قد تمتد لتطال الملف النووي الإيراني وشبكة الميليشيات المسلحة الممتدة عبر المنطقة.
من ميليشيا إلى دولة داخل الدولة
لفهم خطورة هذا التحول، لا بد من استيعاب المسار الذي قطعه الحرس الثوري منذ نشأته، فما بدأ عام 1979 كميليشيا مسلحة تضم أقل من 500 عنصر، يعمل حارساً شخصياً لرجال الدين الشيعة، تحول على مدى أربعة عقود إلى كيان شبه دولة، يمتلك أذرعاً اقتصادية وسياسية واستخباراتية وثقافية متشعبة.
وقد رسّخ الدستور الإيراني لعام 1979 هذه الطبيعة الاستثنائية، إذ نصّ صراحةً على أن الحرس الثوري “جيش أيديولوجي” تُنيط به “مهمة الجهاد في سبيل الله، أي بسط سيادة شريعة الله في جميع أنحاء العالم”، وهو ما يُميزه جوهرياً عن الجيش النظامي الإيراني الذي ينحصر دوره في حماية الحدود.
على مدار السنوات الماضية، توغل الحرس الثوري في مفاصل الدولة الإيرانية كافة؛ فبعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية وانتهاء حقبة الخميني، سارع آية الله علي خامنئي إلى منح الحرس صلاحيات موسعة، فأسس فيلق القدس لتصدير الثورة الإسلامية خارج الحدود، وعزز قوات الباسيج كذراع شعبية مسلحة.
وثم دخل الحرس الثوري عالم الاقتصاد من خلال شركة خاتم الأنبياء للإنشاءات، وامتد نفوذه إلى سوق الأسهم والنفط والغاز، قبل أن يُرسّخ حضوره السياسي في البرلمان والحكومة والأجهزة الاستخباراتية، حتى باتت إدارة الرئيس إبراهيم رئيسي تقوم في جوهرها على عناصر الحرس الثوري.
التلقين الأيديولوجي: صناعة جيل أكثر تطرفاً
يكشف الباحثون عن جانب بالغ الأهمية كثيراً ما يُغفله المراقبون الغربيون، وهو منظومة التلقين الأيديولوجي المُمنهج التي يخضع لها أعضاء الحرس وذووهم. فمنذ التأسيس، يضم الحرس برنامجاً رسمياً للتدريب “الأيديولوجي السياسي” يهدف إلى بناء ولاء مطلق للمرشد الأعلى وأهداف الثورة.
غير أن هذا البرنامج تضخم بصورة لافتة عقب الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 1997، حين صوّت نحو 73 بالمئة من عناصر الحرس الثوري للمرشح الإصلاحي محمد خاتمي، مما أثار قلق خامنئي من تراخي الولاء الأيديولوجي لدى الجيل الثاني من المنتسبين.
ورداً على ذلك، رُفعت نسبة التلقين الأيديولوجي في برامج التدريب إلى 20 بالمئة عام 2002، ثم إلى 30 بالمئة بين عامي 2007 و2008، لترتفع إلى 50 بالمئة إثر احتجاجات عام 2009.
والأخطر في ذلك أن نظام الترقية داخل الحرس الثوري بات يُقدّم الالتزام الأيديولوجي على الكفاءة الفنية، مما يضمن أن يشق الأكثر تعصباً طريقه نحو القيادة العليا.
المهدوية: “النقطة العمياء” التي تُقلق واشنطن
في قلب هذا التحول الأيديولوجي تقع عقيدة المهدوية، التي يصفها الباحثون بأنها “النقطة العمياء” التي غابت تماماً عن رادار صانعي السياسات الغربيين. وتقوم هذه العقيدة على الإيمان بعودة الإمام الثاني عشر، محمد المهدي، الذي يعتقد الشيعة أنه دخل في “غيبة إلهية” منذ عام 874 ميلادي، وسيعود يوماً ما ليقود “معركة فاصلة” تُقهر فيها قوى الشر.
وقد أحدثت الثورة الإسلامية عام 1979 تحولاً جذرياً في هذه العقيدة، إذ بدلاً من انتظار ظهور المهدي في صمت، جادل الخميني بأن المسلمين الشيعة مكلّفون بتهيئة الظروف لقدومه من خلال بناء الدولة الإسلامية وتصدير الثورة.
وقد اكتسبت هذه الفكرة زخماً متصاعداً في عهد خامنئي، ثم تضخمت بصورة لافتة خلال رئاسة أحمدي نجاد (2005-2013) الذي كرّس موارد حكومية ضخمة لمسجد جمكران، حيث يعتقد بعض الشيعة أن الإمام المهدي سيعود، بل بلغ به الأمر حد إنشاء طريق سريع يربط المسجد بمطار طهران حتى “لا يعلق الإمام في زحام المرور” حين يعود.
الحرس الثوري “أداة عسكرية” لخدمة المهدي
الأكثر إثارة للقلق ما تكشفه الدراسة من أن قيادات الحرس الثوري باتت تضع انخراط المؤسسة في النزاعات الإقليمية في سياق التحضير لعودة المهدي.
فقد صرّح حجة الإسلام علي سعيدي، ممثل المرشد الأعلى لدى الحرس الثوري، عام 2012: “يُعدّ الحرس الثوري أحد الأدوات التي تمهد الطريق لظهور إمام العصر، وتلعب فيلق القدس الدور الرئيسي في هذا الصدد”. وفي العام نفسه، أكد أن وجود الولايات المتحدة في العراق يُشكّل “عائقاً أمام ظهور الإمام المهدي”، وأن “الشرق الأوسط يجب أن يتغير”.
وفق هذا المنطق، تُصبح جميع أنشطة الحرس الثوري، من دعم الحوثيين في اليمن ومساندة نظام الأسد في سوريا إلى بناء شبكة الميليشيات الشيعية عبر المنطقة، خطواتٍ مدروسة على طريق التحضير لظهور المهدي.
وقد جاء في منشور رسمي صادر عن الحرس الثوري عام 2022 بعنوان “الانتظار يعني أن نستعد للقتال في جيش إمام الزمان”: “يجب على الحرس الاستعداد لجيش إمام الزمان الذي يريد محاربة جميع مراكز القوة والفساد الدولي”.
وفي هذا السياق، يتضح البُعد الديني لموقف الحرس الثوري من إسرائيل، إذ لم يعد تدمير الدولة العبرية هدفاً سياسياً فحسب، بل “شرطاً دينياً” لظهور الإمام الثاني عشر. وقد صرّح رجل الدين المتشدد مهدي طيب عام 2015 أمام عناصر الباسيج: “يجب إزالة العقبات التي تحول دون ظهور إمام العصر، وأهمها وجود نظام إسرائيل المغتصب”.
تحذير لواشنطن: لا تُقدموا على قرار مدروس
تختتم الدراسة بتحذير مُلحّ لصانعي السياسات الأمريكيين، لا سيما في ظل الجدل الدائر حول احتمال شطب الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وتشير إلى أن الهياكل الداخلية للحرس، بما تضمه من أنظمة تلقين وترقية، تفتح الباب أمام وصول متشددي المهدوية إلى المناصب القيادية العليا.
وفي حال تحقق ذلك السيناريو، فإن الأدوات الثلاث الكبرى للحرس، وهي شبكة الميليشيات وبرنامج الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي، ستخضع لمنطق المهدوية في توجيهها واستخدامها، وهو ما قد يُفضي إلى عواقب كارثية لا يمكن التنبؤ بمداها.










