بانكوك/بنوم بنه- المنشر الاخباري| 24 فبراير 2026، اندلع توتر عسكري مفاجئ على الحدود بين تايلاند وكمبوديا، اليوم الثلاثاء، إثر تبادل لإطلاق النار بين قوات البلدين على طول شريطهما الحدودي المشترك، في تصعيد ينذر بانهيار هدنة هشة كانت سارية بين الجانبين منذ ديسمبر الماضي.
وأثار الحادث موجة واسعة من القلق الإقليمي في ظل التاريخ المعقد الذي تجمع البلدين الجارين، والذي طالما شهد فصولا من الاحتكاك الحدودي المتكرر.
القذيفة التي فجرت الأزمة
وبحسب بيان رسمي أصدره الجيش التايلاندي، أطلقت القوات الكمبودية “قذيفة واحدة عيار 40 ميليمترا” في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، استهدفت منطقة قريبة من دورية عسكرية تايلاندية تؤدي مهامها الاعتيادية في مقاطعة سيسكيت الحدودية، وهي مقاطعة تقع في الجزء الشمالي الشرقي من تايلاند وتتشارك حدودا برية مع الجانب الكمبودي على امتداد يعد من أكثر المناطق حساسية في العلاقات بين البلدين.
وأوضح البيان التايلاندي أن قواته ردت على إطلاق النار بشكل فوري تطبيقا لقواعد الاشتباك المعمول بها، من دون الإفصاح في المرحلة الأولى عن حجم الرد أو تفاصيل الذخيرة المستخدمة.
ولم تشر المعلومات الأولية إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف أي من الطرفين، غير أن السلطات التايلاندية أكدت أنها تتابع الوضع الميداني عن كثب وتعزز انتشارها على طول الخط الحدودي المعني.
اتهام كمبوديا بخرق الهدنة
وذهب الجيش التايلاندي في بيانه إلى توجيه اتهام صريح لكمبوديا بخرق الهدنة التي كان الطرفان قد توصلا إليها في ديسمبر الماضي، وكانت تقضي بوقف التوترات العسكرية على الحدود المشتركة والعودة إلى قنوات الحوار والتنسيق الأمني.
وقد أشعل هذا الاتهام فتيل أزمة دبلوماسية متسارعة، في ظل توقعات بأن تنفي بنوم بنه هذه الرواية أو تقدم روايتها المغايرة لما جرى.
ولا يعد هذا النوع من الحوادث مفاجأة تامة في ضوء التاريخ المتقطع للعلاقات الحدودية بين البلدين، إذ شهدت الحدود التايلاندية-الكمبودية على مدار العقود الماضية جملة من المواجهات العسكرية المتفرقة، كان أبرزها النزاع المسلح حول معبد بريه فيهيار الأثري بين عامي 2008 و2011، الذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين وأشعل أزمة دبلوماسية حادة استدعت تدخلا دوليا.
مقاطعة سيسكيت: بؤرة التوتر الجديدة
وتكتسب مقاطعة سيسكيت أهمية خاصة في سياق هذا الحادث، إذ تعد من المناطق الأكثر التصاقا بالشريط الحدودي مع كمبوديا، وتضم في أرجائها تضاريس جبلية وغابية وعرة تصعب عملية المراقبة والضبط الأمني وتمنح القوات المتنازعة هامشا من الغموض حول تحديد النقاط الخلافية.
وكثيرا ما يرتبط الاحتكاك الحدودي في هذه المنطقة بجدل قائم حول ترسيم الحدود وخرائط السيطرة على بعض النقاط الاستراتيجية، وهو ملف لا يزال عالقا بين الحكومتين دون تسوية نهائية.
وعلى الصعيد الجغرافي، تمتد الحدود البرية بين تايلاند وكمبوديا على نحو 800 كيلومتر، تتخللها مناطق ذات طابع حساس تتشابك فيها اعتبارات السيادة والذاكرة التاريخية المشحونة والمصالح الاقتصادية المرتبطة أحيانا بالسيطرة على موارد طبيعية أو ممرات تجارية.
هدنة ديسمبر في مهب الريح
وكانت الهدنة التي أبرمت في ديسمبر الماضي قد جاءت في أعقاب جولة من التوترات على الحدود، ومثلت آنذاك خطوة نحو تهدئة المشهد وإفساح المجال أمام الحوار الدبلوماسي. بيد أن الحادثة التي شهدتها مقاطعة سيسكيت اليوم تلقي بظلال كثيفة على مستقبل هذه الهدنة وتثير تساؤلات جوهرية حول متانة الاتفاقات الحدودية بين البلدين ومدى الالتزام الفعلي بها على أرض الواقع.
ويرى محللون متخصصون في الشأن الإقليمي لجنوب شرق آسيا أن حوادث كهذه تعكس في جوهرها غياب آليات رقابة محايدة وفاعلة على تطبيق اتفاقيات الهدنة الحدودية، مما يجعل أي تصعيد ميداني محليا مرشحا للتحول إلى أزمة أكبر إذا ما أسيء التعامل معه دبلوماسيا.
الإقليم يترقب
وعلى المستوى الإقليمي، تتابع دول رابطة آسيان التطورات على الحدود التايلاندية-الكمبودية بقلق متزايد، إذ تشكل العلاقة بين عضوين بارزين في الرابطة انعكاسا مباشرا على صورة تلك المنظومة الإقليمية ومصداقيتها في إدارة النزاعات بين أعضائها. ودأبت آسيان تاريخيا على تبني نهج التهدئة وتشجيع الحوار الثنائي، غير أن قدرتها على التأثير الفعلي في مسار الأزمات الحدودية تبقى محدودة في غياب آليات إلزامية للتدخل.
وفي انتظار الموقف الرسمي الكمبودي الذي لم يصدر بعد وقت كتابة هذا الخبر، يبقى المشهد الحدودي بين البلدين على درجة عالية من الحساسية، في ظل معطيات توحي بأن ما جرى اليوم ليس سوى تجل جديد لأزمة بنيوية متجذرة لا تجد طريقها إلى الحل في غياب إرادة سياسية جادة من الجانبين للجلوس إلى طاولة تسوية شاملة ودائمة لملف الحدود المشتعل، بدلا من الاكتفاء بهدنات مؤقتة سرعان ما تتهاوى أمام أول اختبار ميداني.










