ترامب يتهم إيران بإحياء “طموحاتها النووية”، وطهران تتحدث عن “فرصة تاريخية”… والضغوط العسكرية تتصاعد عشية الجولة الثالثة من التفاوض
واشنطن – 25 فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
تتجه الأنظار غداً إلى جنيف، حيث تنطلق الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة سلطنة عُمان، في أجواء مشحونة سياسياً وعسكرياً. فبينما يستعد الدبلوماسيون للجلوس إلى الطاولة، ترفع واشنطن منسوب الضغط عبر حزمة عقوبات جديدة، وتعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، في رسالة مزدوجة: التفاوض ممكن… لكن القوة جاهزة.
الرئيس الأميركي Donald Trump قال إن طهران “تريد اتفاقاً أكثر مما أريده أنا”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه “لن يسمح لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي”. واعتبر أن إيران تطور صواريخ قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأميركية، وتعمل على تطوير أخرى قد تصل إلى الأراضي الأميركية، مضيفاً أنها “تسعى من جديد وراء طموحاتها النووية الخبيثة”.
في المقابل، يرى الرئيس الإيراني Masoud Pezeshkian أن محادثات جنيف “واعدة”، وأن نجاحها قد يفتح الباب أمام إنعاش الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات. أما وزير الخارجية Abbas Araghchi، الذي سيقود الوفد الإيراني، فقد وصف الجولة بأنها “فرصة تاريخية” للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المتبادلة ويحفظ المصالح المشتركة، شرط أن تكون المفاوضات “متوازنة”.
تصعيد عسكري قبيل التفاوض
عشية المحادثات، وصلت 12 مقاتلة أميركية من طراز F-22 Raptor إلى إسرائيل، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رسالة ردع مباشرة. وتُعد الـF-22 من أكثر الطائرات تقدماً في سلاح الجو الأميركي، بقدرات تفوق جوي وتخفي عالية، إلى جانب مهام الهجوم الأرضي والحرب الإلكترونية.
في البحر، تواصل حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford انتشارها في شرق المتوسط بعد تجاوزها جزيرة كريت، مع توقعات بانضمامها إلى حاملة أخرى موجودة في المنطقة، ما يعزز القدرة الأميركية على تنفيذ عمليات واسعة النطاق إذا لزم الأمر.
لكن رغم هذا الحشد، تشير تحليلات غربية – من بينها تقرير لصحيفة Financial Times – إلى وجود شكوك حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب طويلة الأمد ضد إيران، خصوصاً في ظل التعقيدات الإقليمية والاعتبارات السياسية الداخلية التي قد تؤثر على شعبية ترامب إذا انزلق الوضع إلى مواجهة مفتوحة.
عقوبات جديدة… واستهداف “الأسطول الخفي” أو الظل
وزارة الخزانة الأميركية أعلنت فرض عقوبات على أكثر من 30 فرداً وكياناً وسفينة، متهمة إياهم بتسهيل بيع النفط الإيراني بطرق غير مشروعة ودعم برامج الصواريخ الباليستية. وتركزت الإجراءات على ما تصفه واشنطن بـ”الأسطول الخفي” الذي ينقل النفط الإيراني إلى أسواق خارجية، ويُعد – بحسب الإدارة الأميركية – أحد أهم مصادر تمويل أنشطة طهران العسكرية وشبكاتها الإقليمية.
كما استهدفت العقوبات شبكات يُشتبه في أنها توفّر مكونات حساسة لبرنامج الصواريخ الإيراني، إضافة إلى دعم انتشار الطائرات المسيّرة. وزير الخزانة الأميركي شدد على أن سياسة “الضغط الأقصى” مستمرة بهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية.
الملف النووي في قلب المعادلة
يحضر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية Rafael Grossi إلى جنيف بصفة مراقب، كما جرى في الجولة السابقة. وقبل توجهه، دعا إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية لتجنب “مزيد من الفوضى والموت”، مؤكداً أن الهدف النهائي هو ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً عبر وسائل غير عنيفة.
أحد أبرز القضايا المطروحة هو استئناف عمليات التفتيش الدولية على المنشآت النووية الإيرانية، التي توقفت بعد المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة باستهداف مواقع نووية داخل إيران. وترى طهران أن استئناف التفتيش يجب أن يقترن برفع العقوبات، بينما تصر واشنطن على خطوات تحقق واضحة قبل أي تخفيف للعقوبات.
الخط الأحمر الإيراني الآخر يتمثل في الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها لأغراض مدنية، وهو بند كان أساسياً في الاتفاق النووي السابق المعروف بـJoint Comprehensive Plan of Action.
تحركات عسكرية إيرانية موازية
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، تؤكد القوات المسلحة الإيرانية أنها في “أقصى درجات الجاهزية”، مع استعداد لـ”رد حاسم” على أي هجوم. تقارير دولية تحدثت عن تسارع إعادة بناء قواعد صاروخية، وتعزيز منشآت عسكرية، إضافة إلى مناورات بحرية مشتركة مع روسيا والصين في مضيق هرمز.
كما كشفت تقارير عن اتفاقات تسليح جديدة، من بينها صفقة محتملة مع موسكو لشراء منظومات دفاع جوي محمولة، وأخرى قيد التفاوض مع بكين للحصول على صواريخ كروز مضادة للسفن، ما قد يعزز قدرة إيران على تهديد الملاحة في الخليج واستهداف القطع البحرية المعادية.
هذه التحركات تعكس استراتيجية إيرانية مزدوجة: التفاوض تحت سقف الدبلوماسية، مع الحفاظ على أوراق الردع العسكري تحسباً لأي تصعيد.
الداخل الإيراني… احتجاجات وظلال أزمة
في الداخل، شهدت الأيام الأخيرة تجدد احتجاجات في جامعات طهران ومدن أخرى، مع شعارات مناهضة للقيادة الإيرانية وحوادث حرق لعلم الجمهورية الإسلامية. الحكومة أكدت حق الطلاب في التظاهر، لكنها حذرت من تجاوز “الخطوط الحمراء”، مثل الإساءة للرموز السيادية.
في هذا المناخ، تظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عاملاً ضاغطاً على صانع القرار الإيراني، ما يمنح المفاوضات بعداً داخلياً لا يقل أهمية عن البعد الدولي.
حسابات الحلفاء… واحتمال توسع المواجهة
يبقى السؤال الأبرز: ماذا لو فشلت محادثات جنيف؟ وهل تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة؟
لبنان، عبر وزير خارجيته، دعا “حزب الله” إلى تجنب أي مغامرة قد تجلب دماراً إضافياً، وسط تقارير عن رسائل إسرائيلية تحذر من استهداف البنية التحتية اللبنانية إذا تدخل الحزب في حرب بين واشنطن وطهران. كما أعلنت الأردن أنها لن تسمح بأن تكون أراضيها ساحة صراع.
هذه المواقف تعكس خشية إقليمية من انزلاق سريع إلى مواجهة واسعة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، وتمتد إلى لبنان وسوريا والعراق والخليج.
بين الدبلوماسية والهاوية
جولة جنيف تمثل اختباراً حقيقياً لإرادة الطرفين. فواشنطن تريد اتفاقاً أكثر صرامة يقيّد البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، بينما تسعى طهران إلى رفع العقوبات والحفاظ على حقها في التخصيب.
الهوّة بين الموقفين لا تزال واسعة، لكن وجود قنوات تفاوض مفتوحة يمنح بصيص أمل. ومع ذلك، فإن استمرار الحشد العسكري وفرض العقوبات يضعان العملية التفاوضية تحت ضغط غير مسبوق.
في النهاية، تقف المنطقة أمام معادلة دقيقة: إما اتفاق يخفف التوتر ويعيد ترتيب العلاقات، أو فشل قد يفتح الباب أمام مواجهة عسكرية لا يمكن التكهن بمآلاتها. جنيف غداً لن تكون مجرد محطة تفاوض، بل مفترق طرق بين الدبلوماسية والهاوية.










