: إيران تغرق سماء إسرائيل بوابل صاروخي غير مسبوق وتعلن فتح جبهة الرد الشامل
دخلت المواجهة بين إيران وإسرائيل مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنّ إيران أطلقت مئات الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية في هجوم وُصف بأنه الأكبر من نوعه منذ قيام الكيان، والأول بهذا الحجم في إطار مواجهة مباشرة ومعلنة بين الطرفين.
وفق الرواية الإسرائيلية، جاءت الموجة الصاروخية على عدة دفعات متتالية، استهدفت مراكز عسكرية وبنى تحتية حساسة، إلى جانب مناطق مدنية رئيسية، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ وفتح الملاجئ في معظم المدن.صافرات الإنذار دوّت بلا توقف تقريبًا في مناطق واسعة من فلسطين المحتلة، من الشمال حتى الوسط وربما الجنوب، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الحروب الكبرى، لكن هذه المرة مع فارق جوهري: الصواريخ تأتي مباشرة من إيران، لا عبر وكلاء أو جبهات وسيطة.
السلطات الإسرائيلية طالبت السكان بالبقاء في غرف الأمان أو أقرب ملجأ، فيما ظهرت على شاشات التلفزة مشاهد ازدحام في الملاجئ ومحطات النقل، ووجوه مذعورة تحاول استيعاب فكرة أن السماء قد تحوّلت فجأة إلى ساحة اختبار حقيقي لقدرات الدفاع الجوي.
الجيش الإسرائيلي سارع إلى التأكيد أن منظومات الدفاع المختلفة، من «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود» وصولًا إلى أنظمة أكثر تطورًا، نجحت في اعتراض «نسبة كبيرة» من الصواريخ، مع اعتراف ضمني بسقوط بعض المقذوفات في مناطق مأهولة أو قرب منشآت عسكرية.
هذا الخطاب يهدف من جهة إلى طمأنة الرأي العام الداخلي، ومن جهة أخرى إلى إرسال رسالة للخارج بأن إسرائيل لا تزال قادرة على الصمود أمام هجوم كثيف بهذا الحجم، وأن عمقها الاستراتيجي لم يُكسر رغم المفاجأة وحجم الوابل.على المستوى السياسي، استغلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الإعلان عن الهجوم لتأكيد سرديته بشأن «الخطر الوجودي» الذي تمثله إيران، معتبرًا أن ما جرى يبرر كل الضربات السابقة التي شنتها إسرائيل ضد أهداف إيرانية في سوريا والعراق وربما داخل إيران نفسها.
الخطاب الرسمي ربط بين الصواريخ الإيرانية وبين ما تصفه إسرائيل بـ«بنية الإرهاب الإقليمي» الممتدة من لبنان إلى غزة واليمن، في محاولة لصياغة معادلة تقول إن من يهاجم إسرائيل صاروخيًا إنما يقف في مواجهة «المعسكر الغربي بأكمله»، بما يمهّد لطلب دعم عسكري وسياسي أكبر من الولايات المتحدة وحلفائها.
في المقابل، تقدَّم الرواية الإيرانية، كما تتداولها وسائل الإعلام القريبة من طهران، الهجوم بوصفه «ردًا مشروعًا» على عمليات إسرائيلية‑أمريكية سابقة استهدفت الأراضي الإيرانية أو شخصيات عسكرية بارزة.
وفق هذا المنطق، تقول إيران إنها ترسل رسالة مفادها أن زمن الضرب بلا رد قد انتهى، وأن أي استهداف مباشر لعمقها سيقابَل بوابل مماثل أو أكبر على العمق الإسرائيلي.
هذا التفسير يسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، تُخرج المواجهة من إطار حرب الظلال والاغتيالات السرية إلى مستوى صراع مكشوف بين دولتين.الشارع الإسرائيلي وجد نفسه في قلب هذه المعادلة الجديدة، حيث تحوّلت ليلة عادية إلى ساعات طويلة من الترقب تحت أصوات الانفجارات واعتراضات الدفاع الجوي.
في المدن الكبرى، توقفت حركة المواصلات العامة لفترات، وأُغلقت بعض الطرق الرئيسية كإجراء احترازي، بينما تعطّلت الدراسة في العديد من المناطق بقرار من الجبهة الداخلية العسكرية.
هذا الواقع يضغط بشدة على الحكومة، التي تُدرك أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يهز ثقة الجمهور بقدرة الدولة على تأمين «الأمن الشخصي» الذي قام عليه جزء كبير من العقد الاجتماعي بين المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته.
إقليميًا، أثار الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل قلقًا عميقًا في العواصم المجاورة التي تخشى امتداد المواجهة إلى أراضيها أو أجوائها، سواء عبر انحراف صواريخ، أو استخدام أجواء دول أخرى في عمليات الرد والرد المقابل.
كما تُتابِع دول عربية ترتبط باتفاقيات تطبيع مع إسرائيل المشهد بحساسية مضاعفة، إذ تجد نفسها بين ضغوط التحالف مع واشنطن وتل أبيب من جهة، وخشية الرأي العام الداخلي المتعاطف مع أي ضربات تُضعف إسرائيل من جهة أخرى
أما دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تُصدر بيانات دعم مطلقة لإسرائيل، مع تحميل إيران المسؤولية المباشرة عن «تعريض الاستقرار الإقليمي والعالمي للخطر».
هذا النوع من الهجمات يمنح تل أبيب ورقة قوية في المحافل الدولية، لتصوير نفسها كضحية اعتداء صاروخي واسع من دولة تُتهم أصلًا بأنها تهدد أمن الخليج والملاحة الدولية والملف النووي، ما قد يفتح الباب أمام تشديد عقوبات أو تحالفات عسكرية أوسع تحت شعار «حماية الحلفاء وردع إيران».
مع ذلك، يحمل هذا التصعيد مخاطره الخاصة على إسرائيل نفسها؛ فمجرد قبول طهران الدخول في مواجهة صاروخية بهذا الحجم يعني أن سقف الردود قد ارتفع، وأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية أصبحت جزءًا من اللعبة، لا مجرّد خلفية آمنة لحروب تشنّها تل أبيب في الخارج.
استمرار هذا النمط من الاشتباك قد يقود إلى جولات متبادلة من القصف، تعجز أي منظومة دفاع عن اعتراض كل عناصرها، ما يفتح احتمالًا حقيقيًا لأضرار جسيمة في البنية التحتية ومراكز القيادة، فضلًا عن الخسائر البشرية.
في هذه اللحظة، يقف الشرق الأوسط على حافة مرحلة جديدة؛ إيران تعلن نفسها لاعبًا مباشرًا في ضرب العمق الإسرائيلي، وإسرائيل تستند إلى دعم أمريكي‑غربي لمحاولة كسر هذا التحدّي وفرض عودة إلى معادلة «نحن نضرب وأنتم تتحملون».
لكن عدد الصواريخ التي عبرت السماء في تلك الليلة قد يكون إيذانًا بانتهاء هذه المعادلة القديمة، وبداية زمن تتحول فيه سماء فلسطين المحتلة إلى ساحة مفتوحة لمعادلات ردع أكثر خطورة وتعقيدًا، لا أحد يعرف إلى أين ستنتهي.










