أعاد إعلان الحوثيين استئناف هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، مع لهجة تصعيدية توحي باستهداف «أي سفينة تمر بالممر الحيوي»، خلط الأوراق مجددًا أمام واشنطن والعواصم الأوروبية التي ترى في هذا الممر شريانًا لا يمكن السماح بخنقه عسكريًا أو سياسيًا.
ومع تزامن التصعيد البحري مع توتر أوسع يتعلق بإيران، تتجه الأنظار إلى رد الفعل الغربي المتوقع، بين تصعيد عسكري مباشر ومحاولات لاحتواء الأزمة عبر الضغوط الدبلوماسية والعقوبات.
أول السيناريوهات المطروحة في واشنطن يتصل بتكثيف الوجود العسكري الأمريكي في البحر الأحمر وخليج عدن تحت مظلة عمليات حماية الملاحة القائمة بالفعل، مثل عملية «حارس الازدهار» التي نشأت لتأمين مرور السفن التجارية وحماية حرية الملاحة الدولية
الإدارة الأمريكية سبق أن لوّحت، في بيانات مشتركة مع عدد من الحلفاء، بأن استمرار هجمات الحوثيين سيُقابل بإجراءات عسكرية «محددة الأهداف» تستند إلى حق الدفاع عن النفس وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بحماية التجارة العالمية.
ومن المرجح، وفق هذا المنطق، أن يتم توسيع قواعد الاشتباك بحيث لا تقتصر على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تشمل ضرب منصات الإطلاق ومخازن السلاح والبنية اللوجستية المرتبطة بعمليات الاستهداف البحري.
في المقابل، يدرك صانع القرار الأمريكي أن الانزلاق إلى حرب واسعة مع الحوثيين قد يُفسَّر إقليميًا كصدام مباشر مع إيران، الحليف الأكبر للجماعة، في لحظة توتر حاد تشمل جبهات أخرى من المنطقة
لذلك يرجّح مراقبون أن تميل واشنطن إلى «تصعيد محسوب»؛ ضربات موجعة ولكن محدودة، مرفقة برسائل سياسية واضحة لطهران بأن استمرار الدعم اللوجستي والتقني للهجمات البحرية سيُواجَه بثمن أكبر على طاولة العقوبات والملفات النووية والإقليمية
على المستوى الأوروبي، يبدو أن الاتحاد الأوروبي بات أكثر انخراطًا في أمن البحر الأحمر بعدما أطلق عملية «أسبيديس» البحرية لحماية السفن ورفع مستوى الوعي البحري والتنسيق المعلوماتي.
بروكسل سبق أن أدانت بشدة هجمات الحوثيين على السفن واعتبرتها «انتهاكًا خطيرًا لحرية الملاحة وتهديدًا للأمن الدولي»، داعية الجماعة إلى وقف الهجمات فورًا وإطلاق السفن والبحارة المحتجزين
هذا الموقف التأسيسي يجعل رد الفعل الأوروبي المتوقع يميل إلى:تعزيز الانتشار البحري الأوروبي ورفع جاهزية سفن الحماية المكلّفة بمرافقة الناقلات التجارية.
تنسيق أوسع مع الولايات المتحدة وحلف «الناتو» لتبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية، وربما توسيع نطاق العمليات المشتركة في البحر الأحمر وخليج عدن.
غير أن أوروبا تبقى أكثر تحفّظًا من واشنطن في الانخراط بضربات مباشرة واسعة داخل اليمن، نظرًا لحساسيات القانون الدولي وملف حقوق الإنسان وسعي بعض العواصم الكبرى، مثل باريس وبرلين وروما، إلى عدم قطع خيوط التواصل السياسي مع طهران وسلطات صنعاء المتعددة.
لذلك من المرجح أن يركز الرد الأوروبي، إلى جانب المشاركة البحرية، على أدوات أخرى مثل:تشديد العقوبات على قادة حوثيين وشبكات مالية متهمة بتمويل الهجمات.
الضغط داخل مجلس الأمن لتمديد وتقوية آليات مراقبة الهجمات في البحر الأحمر وتوثيقها شهريًا، كما ظهر في قرار التمديد الأخير لتقارير الأمين العام حول الهجمات.
اقتصاديًا، يدرك الغرب أن أي تصعيد حوثي يستهدف «كل سفينة» قد يفاقم أزمة التجارة العالمية التي شهدت أصلًا تراجعًا كبيرًا في أعداد السفن المارة بالبحر الأحمر منذ بداية الهجمات، ما دفع مئات الناقلات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بتكاليف أعلى وأزمنة شحن أطول.
هذا البعد الاقتصادي سيشكّل عامل ضغط قوي على الحكومات الغربية للتحرك بسرعة، ليس فقط لحماية شركات الملاحة الأوروبية والأمريكية، بل أيضًا لتجنّب صدمة جديدة في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
على المستوى القانوني والدبلوماسي، سيعمل المحور الأمريكي‑الأوروبي على بناء «رواية قانونية» واضحة تضع القرار الحوثي بقصف أي سفينة في خانة «القرصنة البحرية» و«جرائم الحرب» ضد أهداف مدنية، استنادًا إلى تقارير منظمات دولية سابقًا صنّفت هجمات الحوثيين على السفن التجارية بأنها انتهاك لقوانين الحرب.
هذه الرواية ستُستخدم لتبرير أي تدخل عسكري جديد أمام الرأي العام الغربي، ولإقناع دول مترددة في آسيا وأفريقيا بالانضمام إلى آلية حماية الملاحة أو على الأقل عدم انتقادها.
في المقابل، سيسعى الحوثيون إلى تقديم خطاب مضاد، يقول إن استهداف السفن يأتي في سياق «نصرة غزة» أو «الرد على العدوان على إيران»، وأن السفن المرتبطة بإسرائيل أو حلفائها هي الهدف الأساسي، لكن تجربتي العامين الماضيين أظهرت أن نطاق الهجمات غالبًا ما يشمل سفنًا لا صلة مباشرة لها بإسرائيل، ما يعزّز القلق الغربي من تحوّل البحر الأحمر إلى «منطقة حرب مفتوحة» يصعب فيها على شركات الشحن التمييز بين المستهدف وغير المستهدف.
إجمالًا، يبدو أن واشنطن ستتجه إلى تعزيز حضورها العسكري ورفع مستوى الردع، فيما تفضّل أوروبا مزج القوة البحرية بضغوط سياسية وقانونية، مع الحرص على عدم الانجرار إلى حرب شاملة في اليمن.
لكن إذا نفّذ الحوثيون تهديدهم حرفيًا وبدأوا في قصف سفن من دول غربية أو شركات كبرى، فقد تتسع دائرة العمليات المشتركة، ويتحوّل البحر الأحمر إلى مسرح مواجهة معقّدة تشترك فيها حاملات طائرات وغواصات وسفن حربية من الولايات المتحدة وأوروبا معًا، في واحدة من أخطر أزمات الملاحة العالمية منذ عقود.










