في ظل تصاعد حدة الخلافات داخل دوائر الحكم في طهران، لم يعد المشهد السياسي الإيراني مجرد تباين في وجهات النظر حول قضايا كبرى مثل المفاوضات مع الولايات المتحدة، أو إدارة ملف مضيق هرمز، أو حتى البرنامج النووي.
بل تحول الأمر إلى صراع وجودي بين أجنحة النظام، يكشف عن حالة من الانسداد الاستراتيجي غير المسبوق، حيث عجزت مؤسسات الدولة من البرلمان والحكومة إلى أجهزة الإعلام عن بلورة موقف موحد تجاه الأزمات التي تعصف بالبلاد.
أزمة بقاء لا تنوع سياسي
وفي تعليق على هذا المشهد المعقد، أكد علي رضا جعفرزاده، معاون ممثلية المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في واشنطن، أن ما نشهده اليوم من تراشق علني بين أقطاب النظام لا يعبر عن ديمقراطية أو تنوع سياسي، بل هو مؤشر صارخ على “أزمة بقاء”.
وأوضح جعفرزاده قائلا: “كل جناح داخل السلطة يحاول جاهدا تحميل الآخر مسؤولية الفشل المتراكم، بينما الحقيقة الثابتة هي أن النظام بأكمله يجد نفسه محاصرا بين خيارين أحلاهما مر؛ فالتراجع عن سياساته يفضح هشاشته أمام قاعدته، والتصعيد يفاقم عزلته الدولية ويقرب ساعة الانفجار الداخلي”.
فوبيا الشارع الإيراني
ووفقا لتحليلات جعفرزاده، فإن الخوف الحقيقي الذي يسيطر على كافة أجنحة النظام سواء من يتبنى الخط المتشدد أو من يميل لمحاولات “بزشكيان” و”قاليباف” في استخدام الدبلوماسية لكسب الوقت ليس واشنطن ولا مضيق هرمز بحد ذاته، بل هو “الشارع الإيراني”. فمع تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية، يدرك النظام أن أي شرخ داخلي في جبهته المتماسكة قد يتحول إلى شرارة لانتفاضة شعبية واسعة لا يمكن السيطرة عليها.
وأضاف جعفرزاده: “إن محاولات النظام إدارة المفاوضات في سرية تامة، بعيدا عن أعين الرأي العام، تعكس خوفا مزدوجا: الأول من ردود فعل الأجنحة المتصارعة، والثاني والأكبر من المجتمع الإيراني الذي بات يرى في هذه المناورات دليلا إضافيا على عجز السلطة عن حل قضاياه المصيرية”.
نهاية وهم الإصلاح
وتؤكد هذه التطورات، بحسب المراقبين، استحالة إجراء أي إصلاح حقيقي داخل بنية نظام “ولاية الفقيه”. فالخلافات الراهنة لا تتعلق بحقوق الشعب أو بمستقبل البلاد بقدر ما تتمحور حول كيفية تقاسم النفوذ والموارد في لحظة انهيار متسارع. إن التراشق بالاتهامات ليس إلا محاولة أخيرة من كل طرف لتثبيت أقدامه داخل مركب يغرق، بعيدا عن تطلعات الإيرانيين في حياة كريمة ودولة ديمقراطية.
التظاهرة الكبرى في باريس: صوت الشعب والبديل
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تكتسب التظاهرة الإيرانية الكبرى المقررة في باريس بتاريخ 20 يونيو 2026 أهمية استراتيجية. فهي تمثل منصة دولية لإيصال صوت الشعب الإيراني في لحظة حرجة من تاريخ النظام، وتؤكد وجود بديل ديمقراطي منظم قادر على قيادة البلاد نحو مرحلة جديدة.
وختم جعفرزاده تصريحه برسالة حاسمة: “إن مستقبل إيران لن يكتب في صفقات سرية داخل أروقة السلطة، ولن يتحدد في مناورات عسكرية بمضيق هرمز، بل سيحسم بإرادة الشعب ومقاومته المنظمة التي تسعى لإقامة جمهورية ديمقراطية تنهي حقبة الدكتاتورية وتضع حدا لأوهام الماضي”.










