في تحول قضائي بارز، أصدرت المحكمة الوطنية للجوء (CNDA) في فرنسا، بتاريخ الأول من يونيو 2026، قرارا يمنح مواطنا سودانيا من عرقية “الفور” صفة “لاجئ”، بدلا من “الحماية الثانوية” التي كانت قد منحت له سابقا.
هذا الحكم لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يعكس اعترافا قانونيا دوليا بأن أفراد هذه العرقية يتعرضون لاضطهاد ممنهج ومستمر من قبل قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في شمال دارفور.
إلغاء الحماية الثانوية والاعتراف بحق اللجوء
قضت المحكمة بإلغاء القرار السابق الصادر عن “المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية” (OFPRA) في 30 يناير 2026، والذي كان يكتفي بمنح الشاب “حماية ثانوية”.
واعتمدت المحكمة في قرارها الجديد على مزيج من الشهادات الشخصية الدقيقة وتقارير حقوقية دولية موثقة، أثبتت أن الشاب يواجه خطرا حقيقيا ومباشرا على حياته، مما يستوجب منحه صفة “لاجئ” كاملة وفقا للمعايير الدولية.
رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر
يعود أصل الشاب، المولود عام 2002، إلى مخيم للنازحين في “قبقابية” بشمال دارفور. بدأت مأساته في عام 2023، حين واجه اعتداءات عنصرية وتهديدات بالقتل من قبل ميليشيا الدعم السريع”الجنجويد” بعد دفاعه عن أرضه الزراعية.
هذا التهديد أجبره على خوض رحلة لجوء شاقة عبر تشاد، النيجر، الجزائر، وتونس، وصولا إلى إيطاليا بحرا، قبل أن يصل أخيرا إلى فرنسا في أبريل 2024، ليجد في القضاء الفرنسي الملاذ الذي أنصف حقه في الحماية.
الاستناد إلى التقارير الدولية حول “الإبادة الجماعية”
لم يكن القرار وليد الصدفة، بل استند القضاء الفرنسي إلى مرجعيات حقوقية دقيقة، أبرزها المذكرة التوجيهية للاتحاد الأوروبي (يونيو 2025) التي شخصت الوضع الأمني في السودان.
وتقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة (19 فبراير 2026) الذي خلص إلى أن الانتهاكات من مجازر وإعدامات وتهجير قسري تحمل “علامات واضحة للإبادة الجماعية”.
وأشارت المحكمة إلى أن الخطاب التحريضي الذي يدعو علانية إلى “القضاء على المجتمعات غير العربية” (لا سيما الفور والزغاوة) هو خطاب متصل عضويا بالجرائم المرتكبة على الأرض، حيث تهدف الظروف المعيشية المفروضة منذ 18 شهرا إلى “التدمير المادي” لهذه المجتمعات.
سلسلة أحكام تعزز الحماية القانونية
يأتي هذا القرار ليتوج سلسلة من الأحكام القضائية النوعية في فرنسا، حيث سبقه منح صفة اللجوء لطالبي لجوء من عرقية “الزغاوة” في فبراير 2026، ومن عرقية “المساليت” في أكتوبر 2025.
وبذلك، ترسخ المحكمة الوطنية للجوء مبدأ قانونيا ثابتا: أن الانتماء العرقي للمجتمعات غير العربية في دارفور بحد ذاته يعد سببا كافيا لـ “مخاوف مبررة من الاضطهاد”، مما يمنح حماية قانونية أوسع وأكثر رسوخا لضحايا هذا النزاع طويل الأمد.








