صعود أسعار النفط يضع البيت الأبيض تحت ضغط شديد، ويهدد استمرارية العمليات العسكرية ضد إيران، فيما تخشى إسرائيل أن يؤدي تأثير ارتفاع الخام على الاقتصاد الأمريكي إلى قرار مفاجئ بإنهائها
واشنطن – المنشر الإخباري
تصاعدت المخاوف في تل أبيب وواشنطن على حد سواء، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ بداية الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ما يطرح أسئلة حاسمة حول مستقبل الحملة وما إذا كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد يتراجع عن استراتيجياته السابقة لإنهاء العمليات قبل تحقيق أهدافها الكاملة.
مؤشرات القلق الإسرائيلية
نقلت عدة مصادر دبلوماسية إسرائيلية، أبرزها موقع “المونيتور”، عن مسؤولين كبار في تل أبيب قولهم إن هناك “عدة مؤشرات مقلقة” قد تدفع ترامب إلى إنهاء العمليات العسكرية في إيران قبل الوقت المتوقع، وهو ما قد يترك إسرائيل أمام واقع جديد يتضمن استمرار التهديد النووي والصاروخي الإيراني دون تحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة.
وتتعلق هذه المؤشرات بارتفاع أسعار النفط، التي تجاوزت حاجز 150 دولارًا للبرميل في الأسواق العالمية، إلى جانب الضربات المتواصلة على البنية التحتية النفطية الإيرانية، والتي أثرت مباشرة على إنتاج الخام وتصديره. هذه المؤشرات الاقتصادية، وفق المصادر، تجعل من الصعب على ترامب تجاهل تداعياتها على الاقتصاد الأمريكي وسوق الطاقة العالمي، ما قد يدفعه إلى إعادة تقييم الحملة العسكرية الحالية.
الأسواق والضغط الداخلي
القلق الأمريكي لا يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث يراقب مستثمرون وشركات نفطية بعين الترقب التغيرات في الأسعار، وسط مخاوف من أن يؤدي الارتفاع الحاد إلى تراجع الاستهلاك وزيادة التضخم، مما يضع البيت الأبيض تحت ضغط سياسي واقتصادي متزايد.
مصدر دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى أكد أن تل أبيب تخشى أن يركز ترامب على “سوق الأسهم” بدل التركيز على أهداف الحملة، خصوصًا مع ضعف الدولار وارتفاع الأسعار، وهو ما قد يقلل من الدعم الشعبي للعمليات العسكرية في إيران، ويجعل استمرارها أكثر تكلفة سياسيًا.
ويشير هذا السيناريو إلى أن إسرائيل ترى في استمرار ارتفاع أسعار النفط عاملاً مضاعفًا للقلق، إذ يمكن أن يؤدي إلى توقف مفاجئ للحرب، قبل أن يتم تحقيق الأهداف المعلنة، مثل تغيير النظام الإيراني أو تفكيك برامجها النووية والصاروخية الباليستية.
السيناريو السوري نموذجاً
تأمل إسرائيل، وفق مسؤولين كبار، أن تتكرر تجربة سوريا خلال ديسمبر 2024، حين أسهمت موجة الاحتجاجات والمظاهرات واسعة النطاق في تسريع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. وتخشى تل أبيب أن توقف ترامب العمليات قبل الأوان قد يترك إيران صامدة، وهو ما قد يضر بموقع إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة.
مصدر إسرائيلي أوضح أن المخاوف تكمن في أن أي توقف مفاجئ للحرب قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، واستعادة قدراته العسكرية، بما في ذلك تطوير صواريخه الباليستية، وتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية.
تصريحات ترامب المقلقة لإسرائيل
على الرغم من استمرار العمليات العسكرية بوتيرة عالية، إلا أن تصريحات ترامب حول استئناف المفاوضات مع إيران أثارت قلق تل أبيب، التي ترى في أي حديث عن الحوار مؤشراً محتملاً على توقف مفاجئ للحملة.
فقد قال ترامب الأحد الماضي: “إنهم يريدون الحوار، وقد وافقت على الحوار، لذا سأتحدث معهم”، وهو تصريح اعتبرته المصادر الإسرائيلية مؤشرًا على إمكانية سحب الدعم العسكري أو حتى التوصل إلى اتفاق قبل الوقت الذي كانت تخطط له إسرائيل كجزء من استراتيجيتها الإقليمية.
الدور الإسرائيلي كمتعاقد فرعي
كشف مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، إيال هولاتا، أن قرار اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي اتخذه ترامب بنفسه، فيما كانت إسرائيل بمثابة “متعاقد فرعي” نفذت الهجمات بموجب خطط أمريكية، وليس وفق استقلالية كاملة.
هذا الكشف يعكس تعقيدات التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، ويوضح أن إسرائيل قلقة من أن أي قرار أمريكي بوقف العمليات قد يتركها أمام معضلة استراتيجية دون ضمانات كافية لتحقيق أهدافها، خصوصًا مع استمرار قدرة إيران على الرد من خلال الميليشيات المنتشرة في العراق ولبنان واليمن.
العمليات العسكرية تتصاعد
تشير التقارير العسكرية إلى أن الهجمات الإسرائيلية على إيران أكثر شدة من تلك التي نفذت في يونيو 2025 على المنشآت النووية الإيرانية، والتي استمرت 12 يومًا بمشاركة قاذفات أمريكية.
اليوم، ينفذ الطيارون الإسرائيليون ثلاث طلعات جوية يوميًا، مقارنة بطلعتين في العملية السابقة، مدعومين بعشرات طائرات التزود بالوقود الأمريكية، ما يعكس مستوى التنسيق العسكري العالي، ولكنه في الوقت نفسه يزيد من الاعتماد على الدعم الأمريكي، ويعزز مخاوف إسرائيل من توقف العمليات إذا أعاد ترامب النظر في سياسته بسبب الضغوط الاقتصادية.
تنازلات محتملة من إيران
ترى إسرائيل أنه إذا قرر ترامب استئناف المفاوضات، فقد تجبر الظروف الإيرانية النظام على تقديم تنازلات بعيدة المدى، تشمل حظر تخصيب اليورانيوم إلى مستويات مناسبة لصنع الأسلحة، وتقييد مشروع الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الميليشيات في العراق ولبنان واليمن، وهو ما تعتبره إسرائيل مكاسب استراتيجية كبيرة.
ويضيف مسؤول دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى: “في الوضع الراهن، ضعفت وكالات إيران بشكل ملحوظ، وطالما أن إسرائيل تتمتع بحرية التصرف للتعامل معها بشكل منفصل، فإنها لم تعد تشكل تهديداً وجودياً”.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أنها لن تتخلى عن مشروعها النووي العسكري أو صواريخها الباليستية، وأن أي تنازلات أمريكية لإيران يجب أن تراعي مصالحها الاستراتيجية بالكامل، بما في ذلك أمن حدودها وقدرتها على الردع.
النفط كعامل محدد لمسار الحرب
يرى محللون أن النفط أصبح العامل الأكثر تأثيرًا على مسار الحملة العسكرية الحالية، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعاره في السوق العالمية، بل لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد الأمريكي وقدرة ترامب على الحفاظ على الدعم الشعبي للعمليات العسكرية.
وبحسب محللين، فإن أي ارتفاع إضافي في الأسعار قد يجعل البيت الأبيض أمام خيارين صعبين: إما استمرار العمليات بغض النظر عن التكلفة الاقتصادية والسياسية، أو التراجع ووقف العمليات، وهو السيناريو الذي يثير قلق إسرائيل بشكل خاص، إذ ترى أن أي توقف مفاجئ قد يترك إيران في موقع قوة.
الحسابات الاقتصادية والسياسية
ارتفاع أسعار النفط يُسهم في زيادة الضغط على الاقتصاد الأمريكي، حيث يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، ما قد يقلل من رضا المواطنين ويضع ترامب تحت ضغط داخلي كبير.
ويضيف المحللون أن هذا الضغط الاقتصادي يترافق مع المخاطر السياسية، حيث قد يستغل المعارضون ارتفاع الأسعار للضغط على البيت الأبيض لإنهاء الحرب، وهو ما قد يجعل إسرائيل أكثر حساسية تجاه أي قرار أمريكي مفاجئ.
الرصد الدولي للنتائج العسكرية
من الجانب العسكري، تُظهر تقارير استخباراتية أن الضربات المتواصلة على المنشآت النفطية ومواقع الصواريخ الإيرانية أدت إلى تراجع قدرة إيران على الرد السريع، لكنها لم تُضعف قوتها بشكل كامل بعد، ما يجعل التوقيت أمرًا حاسمًا.
ووفق المصادر، فإن أي توقف مفاجئ للعمليات الأمريكية قد يمنح إيران فرصة لاستعادة بعض قدراتها، وهو ما يجعل إسرائيل قلقة من أن تكون الحملة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بالردع النووي والصاروخي.
السيناريوهات المحتملة
التحليلات الاستراتيجية تشير إلى عدة سيناريوهات محتملة خلال الأيام المقبلة:
1. استمرار العمليات العسكرية: وهو السيناريو الذي تفضله إسرائيل، حيث يُتوقع أن تستمر الضربات الجوية والبرية حتى تدمير البنية التحتية النووية والصاروخية بالكامل.
2. وقف مفاجئ للعمليات: وهو السيناريو الذي يثير قلق تل أبيب، حيث قد يؤدي إلى الحفاظ على النظام الإيراني وتمكينه من استعادة قوته بسرعة.
3. مفاوضات متزامنة مع العمليات العسكرية: وهو الحل الوسيط الذي قد يسعى ترامب لتحقيقه، حيث يتم استئناف الحوار مع إيران بينما تستمر الضربات لضمان ضغط تكتيكي مستمر.
الخلاصة
في الوقت الذي تتصاعد فيه أسعار النفط وتزداد الضغوط الاقتصادية على البيت الأبيض، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من أن توقف الحرب على إيران قد يحدث قبل أن تحقق أهدافها الاستراتيجية.
النفط لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح أداة سياسية مؤثرة في مسار العمليات العسكرية، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، وأيضًا للنظام الإيراني الذي يراقب بدقة كل تحرك على الساحة الدولية.











