بين الانتصارات العسكرية والتحديات السياسية… نتنياهو على مفترق طرق حاسم
تل أبيب – المنشر الإخبارى
لم تعد المواجهة العسكرية المفتوحة مع إيران مجرد جولة جديدة في سجل الصراع الإقليمي، بل تحوّلت إلى لحظة مفصلية في المسار السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي هيمن على الحياة السياسية في إسرائيل لأكثر من عقد ونصف، يجد نفسه اليوم أمام أخطر اختبار في مسيرته: إما نصر يعيد تثبيت زعامته، أو حرب تستنزف رصيده وتكتب الفصل الأخير من حكمه.
رهان على “النصر التام”
منذ اندلاع المواجهة، سعى نتنياهو إلى ترسيخ خطاب واضح: هذه حرب وجودية، ولا بد من حسمها. الشعار الذي رفعه مرارًا – “النصر التام” – لم يعد مجرد عبارة تعب mobilizing القاعدة الانتخابية، بل أصبح ركيزة استراتيجية يحاول من خلالها إعادة صياغة صورته كقائد لا يتردد في اتخاذ القرارات الكبرى.
بعد الانتقادات الواسعة التي طالته في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023، تراجعت ثقة قطاعات واسعة من الشارع الإسرائيلي بقدرته على إدارة الملفات الأمنية. اليوم، يرى أن المواجهة المباشرة مع إيران قد تمثل فرصة لإعادة بناء تلك الثقة، عبر توجيه ضربة قوية تعيد تثبيت معادلة الردع.
لكن الرهان محفوف بالمخاطر. فالحروب لا تُقاس بالشعارات، بل بنتائجها الميدانية وكلفتها البشرية والاقتصادية.
الانتخابات… سيف معلق
الانتخابات الإسرائيلية يفترض أن تُجرى قبل موعد أقصاه أكتوبر المقبل. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب الليكود قد يتصدر النتائج، لكن دون ضمان أغلبية برلمانية واضحة مع حلفائه الحاليين.
أي مكسب عسكري سريع قد يمنح نتنياهو دفعة انتخابية حاسمة، ويعيد توحيد قاعدته ويجذب ناخبين مترددين. أما إذا طال أمد الحرب، أو ارتفعت الخسائر، فقد يتحول الإنجاز العسكري الجزئي إلى عبء سياسي.
في السياسة الإسرائيلية، الذاكرة الأمنية قصيرة لكنها قاسية. نصر خاطف قد يُنسى معه الإخفاق السابق، لكن تعثرًا واحدًا قد يطغى على كل ما سبقه.
دعم أمريكي… وحسابات دولية
يعتمد نتنياهو على تنسيق وثيق مع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، التي أبدت دعمًا واضحًا للتحرك الإسرائيلي ضد إيران. هذا الغطاء يمنحه هامش مناورة واسعًا، ويخفف من وطأة الضغوط الدولية.
لكن استمرار هذا الدعم مرهون بنتائج الحرب. فكلما طالت المواجهة، زادت كلفتها الإقليمية والدولية، وارتفعت احتمالات ظهور تباينات في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب.
المعارضة بين الدعم والترقب
في مفارقة سياسية، أعلن زعيم المعارضة يائير لابيد دعمه للعمل العسكري، معتبرًا أنه خطوة صحيحة في ظل التهديد الإيراني. هذا الموقف يمنح الحكومة غطاءً داخليًا في المرحلة الأولى.
غير أن هذا الدعم ليس مفتوحًا. فإذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل، فإن المعارضة ستكون أول من يطالب بمحاسبة الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
حرب قصيرة أم استنزاف طويل؟
السيناريو الذي يسعى إليه نتنياهو هو حسم سريع يحقق أهدافًا استراتيجية واضحة: إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وإعادة تثبيت صورة الردع الإسرائيلي.
لكن سيناريو الاستنزاف يبقى حاضرًا بقوة. حرب تتجاوز الأسابيع، تترافق مع تعطّل اقتصادي وتزايد الضغوط الاجتماعية، قد تعمّق الانقسام الداخلي وتُضعف الحكومة.
في هذه الحالة، قد يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة معاكسة: الحرب التي أرادها فرصة للنجاة قد تتحول إلى سبب النهاية.
المحاكمات والضغط الداخلي
لا يمكن فصل هذه الحرب عن السياق الشخصي والسياسي لنتنياهو، الذي لا تزال محاكمته في قضايا فساد مستمرة. ورغم أن الملف القضائي تراجع حضوره إعلاميًا في ظل أجواء الحرب، فإنه يبقى عامل ضغط دائم.
نصر عسكري قد يغيّر المزاج العام ويؤجل الحسابات، لكن أي إخفاق سيعيد كل الملفات المؤجلة إلى الواجهة دفعة واحدة.
مقامرة التاريخ
التاريخ السياسي لنتنياهو حافل بالمغامرات المحسوبة، لكنه اليوم أمام مقامرة من نوع مختلف. فالمواجهة مع إيران ليست جولة محدودة، بل اختبار استراتيجي شامل قد يعيد رسم الخريطة السياسية في إسرائيل.
هل يستطيع تحويل الحرب إلى لحظة تتويج أخيرة لمسيرته الطويلة؟
أم أن رهانه على الحسم السريع سيتحول إلى عبء ثقيل يسرّع رحيله؟
بين نار الجبهات وضغوط الداخل، يبدو أن مصير نتنياهو السياسي بات معلقًا بنتائج هذه الحرب.
فإما أن يصنع “نصره الأخير”…
أو أن تكتب هذه المواجهة خاتمة حقبة سياسية كاملة في إسرائيل.













