تقرير موسع لصحيفة وول ستريت جورنال يكشف عن انقلاب جذري في العقيدة الأمنية الإيرانية: من سياسة ضبط النفس إلى مبدأ التدمير الشامل للاقتصاد الإقليمي، مع بناء منظومة قيادة لا مركزية من 31 مركزا مستقلا تواصل الضرب حتى بعد القضاء على القيادة العليا.
طهران- المنشر الاخباري، السبت 7 مارس 2026
في تقرير موسع نشر صباح السبت، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن أعمق تحول في تاريخ العقيدة الأمنية الإيرانية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية؛ تحول لم يكن ثمرة اختيار هادئ، بل وليد هزيمة مرة وإعادة حساب قسرية فرضت نفسها على طهران في أعقاب عملية “عام كالافي” التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو الماضي.
لقد قررت إيران أن المواجهة التقليدية طريق مسدود، فاختارت بديلا آخر: إشعال المنطقة بأسرها.
الدرس المر من “عام كالافي”
لفهم العقيدة الجديدة، لا بد من استيعاب الصدمة التي أنتجتها. فرغم أن إيران “نجت” رسميا من عملية “عام كالافي”، إلا أن التكاليف كانت كارثية: أنظمة دفاع جوي مدمرة كليا، برنامج نووي طمرته الضربات تحت الأنقاض، وسلسلة قيادة تشققت ونزف منها الكثير. وبعد أن راجع المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار مستشاريه هذا المشهد بعيون باردة، خلصوا إلى نتيجة مؤلمة: سياسة “الرد المحدود” التي تبنوها طوال عامين كانت خطأ استراتيجيا فادحا جعلهم مكشوفين ومكبلين في الوقت ذاته.
كان الفهم السائد في طهران قبل ذلك يقوم على معادلة ضبط النفس: رد أدنى يكفي للحفاظ على الهيبة دون استفزاز عدو أقوى. غير أن هذه المعادلة انهارت أمام الوقائع؛ فالرد المحدود لم يردع الخصم، بل شجعه على المضي قدما في كل مرة. وبات الإيرانيون يرون أن التدرج لا ينجي الضعيف، بل يعطي القوي متسعا من الوقت لإتمام تدميره بصورة منهجية.
إنهم يريدون أن يشعر الجميع بأن الأمر مكلف للغاية.
— خبراء استراتيجيون نقلت تصريحاتهم صحيفة وول ستريت جورنال، 7 مارس 2026
العقيدة الجديدة: الإشعال الإقليمي الشامل
انتقلت طهران وفق التقرير إلى نموذج مغاير كليا يمكن تسميته “مبدأ الإشعال الشامل”. المنطق بسيط في صياغته وبالغ التعقيد في تداعياته: إذا كانت إيران لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة، فإنها تستطيع جعل ثمن هذه المواجهة مرتفعا لدرجة لا تطيقها الإدارة الأمريكية ولا اقتصادات حلفائها. الهدف ليس الانتصار، بل تغيير معادلة التكلفة والعائد في الحسابات الغربية.
تترجم هذه العقيدة ميدانيا بضرب ما هو أكثر من مجرد “الأعداء المباشرين”. فالاستهداف الإيراني في الأيام الأخيرة امتد ليطال منشآت نفطية سعودية وإماراتية، وطال خطوط الملاحة في مضيق هرمز، وصولا إلى فنادق فاخرة في دبي وموانئ بحرية ومراكز بيانات تابعة لأمازون. بل وصل الأمر إلى إطلاق صاروخ على قاعدة عسكرية في قبرص، في سابقة هي الأولى من نوعها تستهدف فيها إيران الأراضي الأوروبية. الرسالة واضحة: لا أحد بمنأى، والتكلفة ستمس الجميع.
الفسيفساء العسكرية: القتال بلا رأس
العنصر الأكثر خطورة في هذه العقيدة الجديدة هو ما يسميه التقرير “الدفاع الفسيفسائي”، أي البنية العسكرية اللا مركزية. قسم الحرس الثوري إيران إلى 31 مركز قيادة مستقلا يتطابق كل منها مع محافظة من محافظات البلاد. كل مركز من هذه المراكز يمتلك صلاحيات مستقلة وكاملة: إطلاق الصواريخ، تفعيل خلايا حرب العصابات، تنفيذ هجمات انتقامية — وكل ذلك تلقائيا وبدون أوامر من القيادة المركزية في حال انقطع التواصل معها.
الغاية من هذا الهيكل فلسفية بقدر ما هي عسكرية: ضمان أن لا تموت الحرب بموت قائدها. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة جدية هذا التصميم؛ فرغم مقتل المرشد خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري في الغارات الأمريكية الإسرائيلية، لم تتوقف الهجمات الإيرانية، بل تصاعدت في بعض المناطق مع تدهور التنسيق المركزي. إنها بالضبط الصورة التي رسمها المخططون: جسد يقاتل حتى بعد أن تقطع رأسه.
رسالة لاريجاني إلى واشنطن
لم تكتف طهران بتطبيق العقيدة الجديدة ميدانيا، بل أرسلت إشارة دبلوماسية استباقية موثقة. فقبل أسابيع من اندلاع الأزمة الحالية، سلم علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، رسالة رسمية إلى واشنطن عبر الوسيط العماني المعتمد، أبلغ فيها الأمريكيين صراحة أن إيران لن تلتزم بعد الآن بمبدأ الرد بالمثل. بعبارة أخرى: أخطرت إيران خصمها بأن قواعد اللعبة القديمة قد ألغيت رسميا.
النفط سلاحا: معادلة 150 دولارا
تكتسب هذه الاستراتيجية زخما اقتصاديا إضافيا عبر ورقة النفط. تأمل طهران أن يؤدي اضطراب إمدادات الطاقة في الخليج إلى دفع أسعار النفط صوب عتبة 150 دولارا للبرميل، وهو مستوى يحدث توترا اقتصاديا واسعا في الداخل الأمريكي ويعقد حسابات الإدارة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي. إنها رهان على أن الضغط الشعبي والاقتصادي سيفضي في نهاية المطاف إلى ضغط سياسي يعيق الاستمرار في المواجهة العسكرية.
ولم يكن هجوم الحرس الثوري على ناقلة “بريما” اليوم قرب مضيق هرمز سوى التجلي الأحدث لهذا المنطق. فإغلاق هرمز ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو في جوهره ورقة اقتصادية تستهدف الشريان الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية يوميا. كل يوم يمتد فيه هذا الإغلاق هو يوم يتراكم فيه الضغط على اقتصادات آسيا وأوروبا وعلى أسواق الطاقة في العالم أجمع.
الهدف الحقيقي: تغيير التصور لا الانتصار
في خلاصة التقرير، يبرز خبراء الاستراتيجية الذين استشهدت بهم الصحيفة نقطة جوهرية كثيرا ما تغيب عن التحليلات التقليدية: إيران لا تسعى إلى الانتصار بمعناه العسكري الكلاسيكي. هدفها الحقيقي أعمق من ذلك وأكثر صبرا؛ إنها تريد إعادة رسم الصورة الذهنية السائدة في الغرب عن قابلية النظام الإيراني للإسقاط، وهي صورة تقول إن تغيير النظام عملية نظيفة وسريعة وغير مكلفة.
إيران تريد أن تدفن هذا الوهم بالدم والنار والاضطراب الاقتصادي. وهي في ذلك لا تعمل في فراغ؛ فكل صاروخ يطلق على منشأة خليجية، وكل ناقلة نفط تستهدف قرب هرمز، وكل مركز بيانات تعطله مسيرة انتحارية، يضيف لبنة جديدة في بناء معادلة الردع من نوع مختلف: الردع عبر التكلفة لا عبر القوة المتكافئة. وفي يوم كهذا يشهد فيه العالم اعترافات بزشكيان بفوضى الحرس الثوري وهجمات لا تتوقف على هرمز، تبدو العقيدة الفسيفسائية الإيرانية وكأنها تعمل بالفعل — وإن ليس تماما كما خطط لها.










