تصاعدت وتيرة الاضطرابات في سوق الصرف المصري بصورة لافتة، في أعقاب اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذ قفزت أسعار الدولار في البنوك المحلية بشكل متسارع تجاوز كل التوقعات، ليخترق سعر الصرف حاجز الـ52 جنيها للمرة الأولى في تاريخ السوق المصرية، مسجلا بذلك ارتفاعا تراكميا يتجاوز أربعة جنيهات منذ اندلاع الحرب، في مشهد يكشف عن هشاشة واضحة في مناعة الاقتصاد المحلي أمام الصدمات الجيوسياسية الإقليمية.
القفزة التاريخية.. الأرقام تتحدث
رصدت المنشر الاخباري حركة أسعار الصرف في مختلف البنوك العاملة في السوق المصرية، فكشفت الأرقام عن قفزات متفاوتة لكنها موحدة الاتجاه، تتراوح بين 1.55 و2.80 جنيه في جلسة واحدة، وهو ما يعد من أعنف الارتفاعات اليومية التي يشهدها سوق الصرف في فترات السلم الاقتصادي النسبي.
وتصدر المشهد البنك التجاري الدولي الذي سجل الدولار فيه ارتفاعا بلغ 2.02 جنيه، ليستقر عند مستوى 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، متجاوزا مستويات ما قبل الحرب التي كانت تتراوح حول 50.10 جنيه للشراء و50.20 جنيه للبيع.
وعلى المنوال ذاته، ارتفع الدولار في مصرف أبوظبي الإسلامي بنحو 1.79 جنيه ليصل إلى 52.12 جنيها للشراء و52.22 جنيها للبيع، في حين سجل بنك قناة السويس مستويات مشابهة عند 52.15 جنيه للشراء و52.25 جنيه للبيع.
أما البنوك الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها البنك الأهلي المصري وبنك مصر وبنك الإسكندرية، فقد تحركت بانسجام ملحوظ، مسجلة ارتفاعا موحدا بلغ 1.66 جنيه ليستقر الدولار عند 51.75 جنيه للشراء و51.85 جنيه للبيع، قادما من مستويات 50.09 جنيه للشراء و50.19 جنيه للبيع.
وفي القطاع الخاص، سجل بنك كريدي أجريكول أعلى ارتفاع يومي بين البنوك بلغ 2.80 جنيه، ليتخطى الدولار فيه حاجز 51.85 جنيه للشراء و51.95 جنيه للبيع. وأتم بنك البركة المشهد بارتفاع بلغ 2.55 جنيه، مسجلا 51.60 جنيه للشراء و51.70 جنيه للبيع.
الأسباب.. ثلاثية الأزمة
في قراءة تحليلية معمقة لهذه الطفرة السعرية المتسارعة، أوضح مراقبون أن ثمة ثلاثة محركات رئيسية تقف وراء هذا الارتفاع الحاد في سعر الصرف، تتشابك وتتضافر لتفرز هذا الضغط المتراكم على الجنيه المصري.
أولا: خروج الأموال الساخنة يمثل هذا العامل الأشد وطأة على سعر الصرف في المدى القصير، وفق شوقي، إذ سارع كثير من المستثمرين الأجانب المنخرطين في أدوات الدين الحكومية المصرية كأذون الخزانة والسندات إلى تسييل مراكزهم والتحول نحو الدولار في ظل موجة العزوف عن الأسواق الناشئة التي تصاحب عادة فترات التوترات الجيوسياسية الحادة في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن محفظة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية تتجاوز أرقاما ضخمة، مما يجعل أي تحول جزئي في توجهاتها قادرا على إحداث ضغط ملموس على سوق الصرف.
ثانيا: الطلب المتصاعد على العملة الأجنبية لأغراض الاستيراد تجد قطاعات عديدة من المستوردين المصريين نفسها أمام ضرورة ملحة لتأمين احتياجاتها من العملة الأجنبية في ظل ارتفاع أسعار المواد الخام والسلع الأساسية عالميا بفعل الاضطرابات التي أحدثتها الحرب في خطوط الإمداد الإقليمية، فضلا عن مخاوف مشروعة من تفاقم الأوضاع وتصاعد الأسعار مستقبلا، مما يدفع كثيرين إلى التسريع في شراء الدولار تحسبا للأسوأ.
ثالثا: سداد الالتزامات الخارجية يضاف إلى ما سبق الضغط الدوري الناجم عن التزامات مصر الخارجية من خدمة الديون والمدفوعات المستحقة، التي تمثل طلبا ثابتا على الدولار بصرف النظر عن ظروف السوق، وتتضاعف حدتها حين يتزامن حلول موعدها مع مراحل الضغط النفسي والمضاربي على العملة.
الحرب الإيرانية.. الفتيل الذي أشعل الأسواق
لا يمكن قراءة حركة سوق الصرف المصري بمعزل عن السياق الجيوسياسي الذي أشعل هذه الموجة من التوترات، إذ شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مطلع الأسبوع الماضي هجوما عسكريا مشتركا واسع النطاق استهدف منشآت نووية وعسكرية إيرانية رئيسية، في خطوة جاءت عقب أسابيع من التصعيد اللفظي والحشد العسكري المتواصل في المنطقة.
وردت إيران بقصف متتابع طال إسرائيل والقواعد الأمريكية في دول الخليج العربي، مما أشعل الأسواق المالية الإقليمية والعالمية وأطلق موجة واسعة من عمليات تجنب المخاطر لدى المستثمرين الدوليين.
وتنعكس هذه التوترات على الاقتصاد المصري من عدة زوايا متشابكة؛ فمصر تقع في قلب المنطقة المتأثرة مباشرة بتداعيات الأحداث، وتعتمد اعتمادا كبيرا على إيرادات قناة السويس التي تشهد اضطرابات في حركة الملاحة، فضلا عن حساسية بالغة لتقلبات أسعار النفط العالمية التي تسهم في تحديد حجم التحويلات من العمالة المصرية في الخليج وحجم الاستثمارات الخليجية في السوق المصرية.
مخاوف من تصاعد الضغوط
يرى عدد من المحللين الاقتصاديين أن ما شهدناه حتى الآن ليس سوى المرحلة الأولى من موجة الضغط على الجنيه، وأن المشهد قد يتطور نحو مزيد من الاضطراب إذا تواصل اشتعال الجبهات وتأخر التسوية الدبلوماسية للأزمة. ويستشهد في هذا السياق بأن الارتفاع التراكمي منذ بدء الحرب بلغ أكثر من أربعة جنيهات في غضون أيام معدودة، وهو ما يستوجب يقظة مضاعفة من صانعي السياسة النقدية.
وفي مقدمة المخاوف الجدية التي يبديها الخبراء تصاعد معدلات التضخم في السوق المحلية جراء ارتفاع تكاليف الاستيراد المرتبطة بارتفاع سعر الصرف، وهو ما يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطن المصري الذي يعاني أصلا من ضغوط متراكمة. يضاف إلى ذلك خطر تراجع الاحتياطي الأجنبي في حال لجأ البنك المركزي إلى ضخ دولارات لاحتواء موجة الارتفاع، مع احتمال تنامي المضاربة في السوق الموازية إن تعمق الفارق بين سعر الصرف الرسمي وما يتداول في غير القنوات الرسمية.
ماذا يمكن أن يفعل البنك المركزي؟
في مثل هذه المحطات الحرجة، تتجه الأنظار نحو البنك المركزي المصري باعتباره صمام الأمان الأول في مواجهة اضطرابات سوق الصرف. ويمتلك البنك جملة من الأدوات التي يمكن توظيفها للتخفيف من حدة الضغوط، في مقدمتها التدخل المباشر في السوق عبر ضخ احتياطيات نقدية أجنبية لتعديل ميزان العرض والطلب.
كما يبقى خيار رفع أسعار الفائدة حاضرا بوصفه أداة لجذب الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين والحد من خروج الأموال الساخنة، إلى جانب إمكانية التنسيق مع الجهات الدولية كصندوق النقد الدولي واستجلاء المواقف من الدول الشقيقة في الخليج للتعرف على استعدادها لدعم الاحتياطي المصري خلال هذه المرحلة الاستثنائية.
ويبقى السؤال الجوهري معلقا: هل تشكل هذه القفزة في سعر الصرف موجة مؤقتة ستتراجع بمجرد هدوء المواجهة العسكرية، أم أنها تمثل نقطة تحول حقيقية في مسار الجنيه المصري تستدعي مراجعة جوهرية للسياسات النقدية والمالية؟ إجابة هذا السؤال ستتضح في الأيام والأسابيع القادمة، حين تتبين ملامح المشهد الإقليمي وتتكشف حقيقة الأثر الاقتصادي الكامل للحرب الإيرانية على مصر وسائر دول المنطقة.










