في مشهد بالغ الدلالة، ظهر شعار “سواء أحبوا أم لا، لن نبقى دولة حبيسة” يتصدر عرضا عسكريا في قلب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ليحول ما كان يهمس به في الغرف المغلقة إلى إعلان رسمي بالغ الحدة، ويعيد إشعال فتيل التوتر مع الجارة إريتريا في منطقة باتت تحتل مكانة محورية على خارطة التنافسات الجيوسياسية العالمية، حيث يلتقي الطموح الإثيوبي المتجدد بالتحدي الإريتري الصلب على شواطئ البحر الأحمر.
ثلاثون عاما من العطش البحري
لا يمكن فهم عمق هذا التوتر دون استيعاب الجرح التاريخي الذي تحمله إثيوبيا منذ استقلال إريتريا عام 1993. فبضربة قلم واحدة، تحولت اثيوبيا إلى أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان على مستوى العالم، بعد أن فقدت منفذها البحري الكامل على البحر الأحمر الذي كانت تتمتع به لعقود.
وفي غياب البديل، وجدت إثيوبيا نفسها مضطرة إلى الاعتماد بنسبة تتجاوز 90% على ميناء جيبوتي لتمرير وارداتها وصادراتها، وهو وضع يصفه رئيس الوزراء آبي أحمد بأنه “قيد وجودي” لا يمكن لدولة تضم 120 مليون نسمة أن تتحمل استمراره إلى ما لا نهاية.
وفي هذا السياق، يمثل ميناء عصب الإريتري أكثر من مجرد رصيف تجاري بالنسبة للوجدان الإثيوبي، فهو رمز السيادة المفقودة وبوابة استعادة الأمجاد البحرية وأداة التحرر من قيد التبعية اللوجستية الذي يثقل كاهل البلاد.
من نوبل للسلام إلى تبادل الاتهامات
ما يجعل هذا التوتر أشد إيلاما هو أنه يأتي في أعقاب واحدة من أبرز لحظات المصالحة في تاريخ القرن الأفريقي الحديث. فعام 2018 شهد مشهد العناق الشهير في أسمرا بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي أعلن فيه إنهاء حالة الحرب المجمدة بين البلدين وفتح صفحة جديدة من التعاون والتكامل.
وكان ذلك الحدث بالذات في قلب الأسباب التي استند إليها لجنة نوبل النرويجية حين منحت آبي أحمد جائزة السلام في العام نفسه.
ثم جاءت حرب تيغراي لترسخ هذا التحالف على قاعدة مختلفة، حين وقفت إريتريا إلى جانب أديس أبابا في مواجهة قوات جبهة تحرير شعب تيغراي، مقدمة ما وصف بأنه تعاون عسكري وثيق.
لكن سرعان ما كشف انتهاء تلك الحرب أن أساس التحالف كان أقل متانة مما بدا، وأن التناقضات البنيوية بين البلدين لم تحل بل أجلت فحسب.
واليوم تقف العلاقة عند نقطة انفجار حقيقية، إذ وجهت أديس أبابا رسالة رسمية تتهم فيها أسمرا باحتلال أراض إثيوبية وممارسة “أعمال عدوانية”، في لغة دبلوماسية تفتح الباب أمام تصعيد من نوع مختلف.
وجاء الرد الإريتري على لسان أفورقي بنبرة التحدي الصريح، واصفا التهديدات الإثيوبية بـ”العبثية”، ومؤكدا أن بلاده “تعرف كيف تتعامل” مع أي مواجهة تفرض عليها، في رسالة تحمل معنى واحدا لا لبس فيه: إريتريا ليست مستعدة للتراجع.
عصب.. الجوهرة التي تشعل الحرب
يتمحور الصراع في جوهره حول ميناء عصب، ذلك المنفذ البحري الإريتري الذي يتربع على خليج عدن في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، ويقع على بعد أقل من 900 كيلومتر من أديس أبابا. وعصب ليس ميناء عاديا في الحسابات الإثيوبية، بل كان حتى استقلال إريتريا مرفأ إثيوبيا بامتياز، تعبره حركة تجارية ضخمة وتمر من خلاله الشرايين الاقتصادية للبلاد.
ويرى آبي أحمد أن إعادة الوصول الإثيوبي إلى هذا الميناء، سواء عبر اتفاق تجاري أو إيجار طويل الأمد أو ترتيب سيادي مشترك، هو المخرج الوحيد من أزمة التبعية اللوجستية المكبلة.
وعلى عكس مساعيه الأخرى لاستئجار منفذ بحري من الصومال مطلع عام 2024، التي أثارت أزمة دبلوماسية حادة في المنطقة، يرى أن الخيار الإريتري أكثر قابلية للتحقق من الناحية الجغرافية والتاريخية، وإن كان أشد تعقيدا من الناحية السياسية.
في المقابل، ترى أسمرة في أي تنازل عن السيادة على عصب خطا أحمر مصيريا لا يمكن تجاوزه. فالميناء بالنسبة لإريتريا ليس فقط مصدرا اقتصاديا حيويا بل هو أيضا رمز الاستقلال والسيادة الوطنية التي ناضل الشعب الإريتري عقودا للحصول عليها، وأي تفريط فيه سيفسر شعبيا باعتباره تنازلا وجوديا.
القرن الأفريقي كبيئة ملتهبة
لن يبقى أي صراع إثيوبي إريتري في حدود المواجهة الثنائية، فالمنطقة محملة بطبقات من التنافسات الإقليمية والدولية تجعل من أي شرارة محلية وقودا لحريق إقليمي واسع.
تتصدر المشهد القوى الخليجية، ولا سيما الإمارات والسعودية اللتان تربطهما مصالح استراتيجية وشراكات متشابكة مع الطرفين في آن واحد.
وفي ظل التنافس الخليجي المحموم على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، قد يجد كل طرف خليجي نفسه مغريا بدعم جانب على حساب الآخر وفق حسابات مصلحية دقيقة لا تتوافق دائما مع مبدأ الاستقرار الإقليمي.
أما مصر، المنشغلة أصلا في معركتها الطويلة مع إثيوبيا حول ملف سد النهضة، فهي تراقب هذا التوتر بعيون مفتوحة على مصراعيها.
فالعلاقة الإريترية المتينة مع القاهرة تمنح الأخيرة ورقة ضغط إضافية يمكن توظيفها في سياق الأزمة المائية المزمنة، مما يعقد معادلة المصالح ويجعل مصر طرفا في الصراع حتى حين تبدو بعيدة عنه جغرافيا.
وعلى الصعيد الداخلي الإثيوبي، يوظف آبي أحمد بمهارة رمزية “معركة عدوة” التاريخية التي هزم فيها الإثيوبيون الغزو الإيطالي عام 1896، رابطا بين الكبرياء الوطني التاريخي وبين مسعاه الراهن للوصول إلى البحر، في خطاب شعبوي قومي يستهدف تجاوز التصدعات الداخلية الحادة في أقاليم أمهرة وتيغراي التي لا تزال تنذر بزعزعة الاستقرار الداخلي.
المسيرات تغير معادلة الحرب المحتملة
دخل عامل جديد إلى معادلة المواجهة المحتملة، وهو سلاح المسيرات الذي أعاد تعريف مفهوم التوازن العسكري في عدد من النزاعات الإقليمية الأخيرة.
فما شهدناه في أثيوبيا خلال حرب تيغراي من توظيف للطائرات المسيرة، وما نشهده من تطور متسارع لقدرات الدول الصغيرة في هذا المجال، يعني أن أي مواجهة إثيوبية إريترية لن تكون نسخة من حرب الاستنزاف البرية التقليدية التي خاضها البلدان في نهاية التسعينيات، بل ستكون معركة ذات أبعاد تكنولوجية تضع الحشود العسكرية الضخمة في مواجهة أسلوب قتال يغير معادلات الخسائر والمكاسب.
وتحذر مجموعة الأزمات الدولية في تقييمها الأخير من أن المنطقة تعيش “سلاما سلبيا” هشا لا يستند إلى تسوية حقيقية للخلافات الجوهرية، بل إلى توازن ردع مؤقت قد ينهار في أي لحظة حين تتصادم الحسابات الخاطئة أو حين يغري طرف ما بانتهاز فرصة يراها سانحة.
الخيار الأخير: تكامل أو استنزاف
أمام هذا المشهد الحافل بعناصر الانفجار، تبقى نافذة واحدة مفتوحة نظريا أمام الطرفين وإن كانت تزداد ضيقا مع مرور الوقت، وهي مسار التفاوض على “صفقة موانئ” بديلة تعطي إثيوبيا حق وصول اقتصادي إلى عصب أو غيره من المنافذ البحرية الإريترية، مقابل ضمانات سياسية وأمنية تحفظ كامل السيادة الإريترية.
وهو خيار يتحدث عنه الوسطاء الدوليون بكثير من الأمل لكن بقليل من الأدلة على أن الطرفين باتا جاهزين له فعلا.
والمفارقة الصارخة أن الخاسر الأكبر في كلا السيناريوهين، حرب الاستنزاف والسلام المؤجل، هو الشعبان الإثيوبي والإريتري اللذان دفعا ثمنا باهظا من الدم والتنمية الضائعة في حروب الماضي، ويبدوان اليوم على الطريق نفسه مجددا، حين تتغلب أحلام القادة وحساباتهم على حاجة الناس البسيطة للسلم والاستقرار وفرصة واحدة للبناء.










