لندن – المنشر الاخباري (10 مارس 2026)، في خضم التحولات العاصفة التي تشهدها طهران عقب تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية، فجّر الكاتب الإيراني طه بارسا موجة عارمة من الجدل السياسي بفتحه ملفاً كان يُعد من المحرمات المطلقة؛ وهو التساؤل حول ما إذا كان المرشد الجديد عميلاً لجهاز الموساد الإسرائيلي.
وفي مقال استقصائي تحت عنوان “مجتبى خامنئي ومنطق نظريات المؤامرة”، استدعى بارسا “نكتة” قديمة للكاتب الساخر إبراهيم نبوي، قال فيها ذات مرة: “خامنئي جاسوس إسرائيلي”.
ويرى بارسا أن هذه النكتة لم تكن مجرد سخرية، بل إشارة لنقطة خطيرة؛ وهي أن سياسات القيادة الإيرانية، رغم عدائها الصارخ لإسرائيل، أدت أحياناً لنتائج صبت تاريخياً في مصلحة “العدو”.
“المؤامرة” كخريطة لفهم الغموض
يرتكز تحليل بارسا على رؤية الفيلسوف كارل بوبر، الذي يرى أن نظريات المؤامرة تظهر في المجتمعات التي تتسم فيها بنية السلطة بالغموض. فعندما يعجز النظام السياسي عن تفسير نفسه بشفافية، يميل العقل البشري لرسم “خريطة معرفية” تبسط شبكة علاقات القوة المعقدة وتصورها كمخطط خفي.
ويذهب الكاتب إلى إجراء “تمرين فكري” صادم: ماذا لو كان مجتبى خامنئي عميلاً لإسرائيل بالفعل؟
سردية العشرين عاماً: إعادة بناء “البيت”
انطلاقاً من منطق “نظرية المؤامرة”، يبني بارسا سردية متماسكة تبدأ منذ عقدين حيث صعود أحمدي نجاد (2005) يرى أن بروز نجاد وتدخل مجتبى خامنئي في الانتخابات كان بداية مشروع لإعادة صياغة هيكل السلطة، مما أدى لاحقاً لإقصاء التيار الإصلاحي المعتدل وتطرف السياسة الإيرانية، وهو ما لطالما رحبت به القوى الإقليمية المعادية لإيران.
كما يطرح المقال سؤالاً جوهرياً: لو أراد أحدهم عزل إيران دولياً وتدمير اقتصادها بالعقوبات، فهل كان سيجد وسيلة أفضل من سياسات “إنكار المحرقة” والتشدد الذي ساد تلك الحقبة؟
تصفية “الجيل القديم”
و يشير بارسا إلى أن بناء مجتبى لشبكة نفوذ داخل الحرس الثوري تزامن مع إقصاء تدريجي لوجوه النظام التاريخية. أحداث مثل وفاة رفسنجاني المثيرة للجدل، وتحطم مروحية إبراهيم رئيسي، وصولاً إلى اغتيال علي خامنئي في هجوم عسكري، تبدو في “منطق المؤامرة” كقطع لغز تهدف لتمهيد الطريق سريعاً لانتخاب مجتبى.
ذروة المشروع: القيادة في زمن الحرب
تكتمل الرواية باللحظة الحالية؛ حيث يُغلق جو الحرب الباب أمام أي نقد لانتخاب مجتبى خامنئي تحت حجة “تماسك البلاد” و”القوة الداخلية”. وبحسب هذا المنظور، فإن استمرار هذا المسار قد يمهد لإضعاف إيران من الداخل أو حتى تفكيكها، وهو ما يخدم أهداف إسرائيل بعيدة المدى.
وخلص بارسا في مقاله إلى أن الهدف ليس إثبات صحة هذه النظرية من عدمها، بل توضيح أن “بنية السلطة في إيران غامضة لدرجة تجعل أغرب الروايات مقبولة لدى الرأي العام”.
فعندما تغيب الشفافية، تتلاشى الفجوة بين التحليل الرصين ونظريات المؤامرة، ويصبح “بيت القيادة” مجرد صندوق أسود يثير ريبة الداخل قبل الخارج.










