يُعدّ الحزب الإسلامي الماليزي أحد أبرز الأذرع الإخوانية في آسيا، وقد بنى حضوره السياسي على الدعوة إلى توسيع دور الشريعة في الحياة العامة، وتمكن عبر عقود من ترسيخ نفوذ ملحوظ في ولايات مثل كيلانتان وترنغانو، وهو ما جعله لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي الماليزي. ومع تصاعد التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عاد الحزب إلى الواجهة عبر تبنّي خطاب سياسي متضامن مع طهران، ليصبح أحد أبرز الأصوات في جنوب شرق آسيا الداعمة لإيران، حتى لو جاء ذلك على حساب مصالح ماليزيا الاقتصادية والاجتماعية في منطقة الخليج.
إدانة في اتجاه واحد
كان الحزب الإسلامي من أوائل القوى السياسية في ماليزيا التي أدانت الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران. وقال رئيس الحزب “عبد الهادي أوانغ”: إنّ الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي و”جريمة حرب تخالف ميثاق الأمم المتحدة”. ووصف نائب رئيس الحزب “أحمد سمسوري مختار” مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بأنّه “خسارة كبيرة للأمة الإسلامية”، في رسالة عزاء نشرها عقب الهجوم.
ودعا الحزب كذلك مجلس الأمن الدولي ومنظمة التعاون الإسلامي إلى التحرك فورًا، واصفًا الضربات بأنّها تعكس “الاستهانة بالقانون الدولي والقيم الإنسانية”.
الحزب الإسلامي من أوائل القوى السياسية في ماليزيا التي أدانت الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران. وقال رئيس الحزب “عبد الهادي أوانغ”: إنّ الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي و”جريمة حرب تخالف ميثاق الأمم المتحدة”.
الحزب الإسلامي من أوائل القوى السياسية في ماليزيا التي أدانت الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران. وقال رئيس الحزب “عبد الهادي أوانغ”: إنّ الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي و”جريمة حرب تخالف ميثاق الأمم المتحدة”.
في المقابل، لم يتضمن خطاب الحزب أيّ إدانة للهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع مدنية في دول الخليج، وهو ما يعتبر تجاهلًا لمصالح ماليزيا الاقتصادية والاجتماعية. مثل هذه التصريحات التي تغاضت عن عمد عن الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، وضعت الدولة الماليزية في موقف دبلوماسي حساس، إذ يمكن أن تُفهم على أنّها انحياز سياسي لطرف إقليمي في صراع دولي معقد، وهو ما قد ينعكس سلبًا على علاقات ماليزيا الخارجية في ظل الحضور الملموس للحزب الإسلامي في المشهد السياسي الماليزي.
يُذكر أنّ الخطاب السياسي داخل الحزب ذي المرجعية الإخوانية تأثر بالتحولات التي شهدتها إيران بعد الثورة الإيرانية 1979. ورغم الاختلاف المذهبي بين السنّة في ماليزيا وشيعة إيران، ظلّ خطاب “وحدة الأمة الإسلامية” حاضرًا في مواقف قيادات الحزب، الذين دعوا مرارًا إلى تجاوز الانقسام السنّي ـ الشيعي، بل تبنّي وجهة النظر الإيرانية في مناسبات متعددة.
كان الحزب الإسلامي من أوائل القوى السياسية في ماليزيا التي أدانت الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران. وقال رئيس الحزب “عبد الهادي أوانغ”: إنّ الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي و”جريمة حرب تخالف ميثاق الأمم المتحدة”.
لم تقتصر محاكاة التأثر بالنموذج الإيراني على الخطاب السياسي للحزب، بل امتدت إلى بنيته التنظيمية، إذ يضم الحزب هيئة قيادية تُعرف باسم “مجلس شورى العلماء”، وهي مؤسسة دينية تمتلك صلاحيات واسعة داخل التنظيم، بما في ذلك القدرة على الاعتراض على قرارات القيادة السياسية للحزب.
هذه البنية التنظيمية تشبه دور مجلس صيانة الدستور في النظام الإيراني، الذي يملك سلطة رقابية على القرارات السياسية والتشريعية. ويرى الباحثون أنّ هذا التأثير الهيكلي يعكس إعجابًا بالنموذج الإيراني الذي يُقدَّم داخل بعض الأوساط الإسلامية بوصفه تجربة ناجحة في إقامة “الدولة الإسلامية”.
كما أنّ خطاب الحزب المتشدد تجاه القضايا الإقليمية لا ينفصل عن المنافسة السياسية داخل ماليزيا نفسها. فالحزب يستخدم قضايا مثل دعم إيران أو دعم المقاومة في الشرق الأوسط كورقة ضغط سياسية لمهاجمة الحكومة المركزية.
ويقود الحكومة الحالية رئيس الوزراء أنور إبراهيم، الذي يحاول الحفاظ على توازن دبلوماسي في علاقات ماليزيا الدولية. وفي هذا السياق يسعى الحزب الإسلامي إلى تصوير الحكومة أحيانًا على أنّها “ضعيفة” في الدفاع عن القضايا الإسلامية أو “مائلة إلى الغرب”، في محاولة لكسب دعم القواعد المحافظة والمتدينة.
وتظهر هذه الاستراتيجية بوضوح في الولايات الريفية ذات النزعة الدينية مثل قدح وبرليس، حيث يعتمد الحزب على خطاب إيديولوجي قوي لتعزيز شعبيته الانتخابية.
مصالح الماليزيين في الخليج على المحك
تكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة، إذ إنّ دول الخليج تمثل وجهة رئيسية للعمالة الماليزية، فآلاف الماليزيين يعملون في قطاعات النفط والغاز والهندسة والتعليم والخدمات في دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، ويحوّلون جزءًا من دخولهم إلى بلادهم، وأيّ تصعيد عسكري يهدد أمن الخليج واستقراره الاقتصادي يمكن أن ينعكس مباشرة على فرص العمل والدخل للماليزيين. ومع ذلك يبدو أنّ خطاب الحزب الإسلامي الماليزي يضع الاعتبارات الإيديولوجية فوق المصالح الاقتصادية والاجتماعية لآلاف الأسر الماليزية.
ولا تقتصر أهمية الخليج بالنسبة إلى ماليزيا على العمالة فقط، بل تمتد إلى الاستثمارات الضخمة، فشركات خليجية كبرى تضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الماليزي، خاصة في قطاعات الطاقة والصناعة.
البنية التنظيمية تشبه دور مجلس صيانة الدستور في النظام الإيراني، الذي يملك سلطة رقابية على القرارات السياسية والتشريعية. ويرى الباحثون أنّ هذا التأثير الهيكلي يعكس إعجابًا بالنموذج الإيراني الذي يُقدَّم داخل بعض الأوساط الإسلامية بوصفه تجربة ناجحة في إقامة “الدولة الإسلامية”.
ومن أبرز هذه الاستثمارات مشاركة “أرامكو” السعودية في مشروع “بينغيرانغ” للبتروكيماويات في ولاية جوهور، وهو أحد أكبر المشاريع الصناعية في ماليزيا. وتستثمر شركات وصناديق سيادية من الإمارات العربية المتحدة وقطر في قطاعات العقارات والطاقة المتجددة في العاصمة كوالالمبور.
وبناء عليه؛ فإنّ أيّ خطاب سياسي قد يُفهم على أنّه عدائي تجاه شركاء ماليزيا في الخليج، يمكن أن يهدد هذه التدفقات الاستثمارية التي تعتمد عليها الدولة في تمويل مشاريع التنمية والخدمات العامة.
في نهاية المطاف، يطرح موقف الحزب الإسلامي الماليزي تساؤلات أوسع حول العلاقة بين الإيديولوجيا السياسية والمصلحة الوطنية. فبينما تميل الدول عادة إلى اتباع سياسات خارجية براغماتية تحافظ على التوازن بين شركائها الدوليين، يبدو أنّ الأذرع الإخوانية ما تزال تنظر إلى الصراعات الدولية من منظور إيديولوجي يتجاوز حدود الدولة ومصالح مواطنيها.
وبين خطاب التضامن مع إيران وتجاهل التداعيات الاقتصادية والدبلوماسية المحتملة لتهديد دول الخليج، يجد كثير من الماليزيين أنفسهم أمام مفارقة سياسية: حزب يرفع شعارات الدفاع عن الأمة الإسلامية، بينما تؤدي مواقفه إلى تعريض مصالح المواطنين المالية والاستراتيجية إلى مخاطر غير محسوبة.










