دمشق | المنشر_الاخباري
في ظل تصاعد غير مسبوق على الجبهة الشمالية، تتبلور داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ملامح عقيدة أمنية جديدة تقوم على نقل المواجهة إلى داخل الأراضي السورية بدل الاكتفاء بإدارتها من الحدود، وفق ما تعكسه التطورات الميدانية والتصريحات العسكرية الأخيرة.
وبالتزامن مع تعيين قائد جديد لما يُعرف بـ“قوات الجولان”، برز خطاب عسكري أكثر حدة، يقدّم الساحة السورية بوصفها فضاء عمليات مفتوحاً، وليس مجرد خط تماس تقليدي، مع تركيز متزايد على ما تصفه إسرائيل بـ“العدو القادم من الشمال الشرقي”.
تحصين جبل الشيخ وتثبيت واقع ميداني جديد
تشير المعطيات الواردة إلى أن الجيش الإسرائيلي عزز بشكل ملحوظ وجوده في قمم جبل الشيخ والمناطق المحيطة به، مع توسع في إنشاء نقاط مراقبة دائمة ومواقع عسكرية متقدمة داخل الشريط الحدودي.
وبحسب ما يرد في الخطاب العسكري، لم تعد هذه المواقع مجرد نقاط دفاع، بل أصبحت منصات انطلاق لعمليات تمتد في بعض الحالات إلى عمق الأراضي السورية، في إطار ما يُوصف بـ“المعركة الاستباقية”.
كما يُلاحظ ازدياد النشاط العسكري قرب خط وقف إطلاق النار الذي تشرف عليه قوة الأمم المتحدة UNDOF، وسط مؤشرات على إعادة تعريف عملي لمفهوم المنطقة العازلة.
عمق سوري مفتوح حتى تخوم دمشق
تصف مصادر عسكرية مضمّنة في التقرير عمليات التوغل الإسرائيلية بأنها لم تعد محصورة في نطاق الحدود، بل باتت تمتد أحيانًا إلى مناطق قريبة من العاصمة دمشق، تحت ذرائع تتعلق بملاحقة شبكات تهريب السلاح ومنع التموضع العسكري المعادي.
وتربط هذه العمليات بشكل مباشر بما تعتبره إسرائيل تهديدات إيرانية متزايدة في سوريا، إضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة مرتبطة بـHezbollah في الجنوب السوري.
رفض عسكري لأي اتفاق يقيّد الحركة داخل سوريا
تكشف مصادر مطلعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن حالة تحفظ واضحة تجاه أي مسار تفاوضي مع دمشق قد يؤدي إلى تقليص حرية الحركة الجوية والاستخباراتية في الداخل السوري.
وترى هذه الدوائر أن أي اتفاق أمني شامل مع سوريا قد يفرض قيودًا على العمليات الوقائية، ويحد من القدرة على تنفيذ ضربات استباقية تستهدف البنية العسكرية المتنامية في العمق.
ويُعتقد أن هذا التوجه يعكس صراعًا داخليًا بين الرؤية السياسية التي تفضل تهدئة مشروطة، والرؤية العسكرية التي تميل إلى تثبيت واقع ميداني دائم.
الهندسة الأمنية الجديدة: ثلاث طبقات من السيطرة
وفق ما يتسرب من الخطاب العسكري، تعمل إسرائيل على ترسيخ نموذج أمني متعدد الطبقات في الجبهة السورية، يبدأ من داخل الجولان المحتل، ويمتد إلى نطاقات متقدمة داخل الأراضي السورية، وصولًا إلى ما تصفه بـ“مناطق منع التهديد”.
هذا النموذج يقوم على فكرة أن الدفاع الفعلي لا يبدأ من الحدود، بل من عمق الجغرافيا المقابلة، بما يضمن — وفق التصور العسكري — تقليل زمن الاستجابة لأي تهديد محتمل.
القلق من سوريا “الموحدة” وتحولات ما بعد الحرب
في موازاة ذلك، يتصاعد داخل دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية قلق متزايد من احتمالات عودة سوريا كدولة مركزية مستقرة وموحدة، وهو سيناريو يُنظر إليه باعتباره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.
ويزداد هذا القلق مع تطورات المشهد الداخلي السوري، بما في ذلك التفاهمات بين الحكومة السورية وبعض القوى المحلية، من بينها Syrian Democratic Forces، وهو ما تعتبره تل أبيب خطوة قد تعزز إعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر تماسكًا.
الجولان من خط دفاع إلى منصة هجومية دائمة
لم تعد هضبة الجولان، وفق المعطيات المطروحة، مجرد منطقة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى بنية عملياتية متقدمة تُستخدم في: توسيع الرصد الاستخباراتي
تنفيذ عمليات محدودة داخل العمق السوري
تأمين خطوط تهريب مضادة
وربط الجبهة السورية بجبهة الجنوب اللبناني
هذا التحول يعكس، بحسب توصيف عسكريين، انتقال العقيدة الإسرائيلية من “إدارة التهديد” إلى “إعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة”.
سوريا بين خطاب التهدئة وواقع التصعيد
رغم استمرار الخطاب السوري الرسمي الذي يؤكد عدم الرغبة في الدخول في مواجهة عسكرية، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى مسار مختلف تمامًا، حيث تتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل تدريجي، ويتعمق الحضور العسكري في نقاط حساسة داخل الجنوب السوري.
وبين مسار التفاوض غير المكتمل، والتصعيد المتواصل على الأرض، تبقى الجبهة السورية واحدة من أكثر الملفات الإقليمية غموضًا وتعقيدًا في المرحلة الراهنة.











