بيروت – المنشر_الاخباري
في تطور ميداني خطير يعكس اتساع رقعة العمليات جنوب لبنان، واصل الجيش الإسرائيلي، الخميس، تقدمه في محيط مدينة النبطية، في محاولة للسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية في تلة “علي الطاهر”، وسط تقديرات أمنية لبنانية بأن الهدف يتجاوز التمركز التكتيكي إلى تثبيت واقع عسكري جديد في عمق الجنوب اللبناني.
ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من عمليات قصف مكثف استهدفت التلال الحرجية والمواقع المشرفة على النبطية، في إطار ما يبدو أنه مسار تدريجي لإعادة رسم خطوط السيطرة الميدانية في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني.
تقدم ميداني باتجاه عقدة “علي الطاهر” الاستراتيجية
رُصدت آليات وجرافات عسكرية إسرائيلية في مواقع متقدمة شرق النبطية، في محيط كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وصولاً إلى نقاط قريبة من تلة علي الطاهر، التي تُعد من آخر المرتفعات التي تمنح إشرافاً نارياً مباشراً على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، وتمتد خطوط رؤيتها إلى مناطق مقابلة في الجليل الأعلى.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية تعمل على توسيع نطاق سيطرتها التدريجية عبر محاور متقاربة، في ظل قصف جوي ومدفعي كثيف يمهّد لتحركات برية أعمق.
“توسعة الأمان الناري”… أم تمهيد لتموضع طويل الأمد؟
مصادر أمنية لبنانية تحدثت عن أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تهدف إلى إنشاء ما تسميه “منطقة أمان ناري”، تسمح بإبعاد مقاتلي “حزب الله” عن خطوط الاشتباك المباشر، وتسهيل حركة المدرعات في المرتفعات الحساسة.
لكن هذه المقاربة، وفق التقديرات نفسها، قد تحمل بعداً أبعد من التكتيك الميداني، إذ يُعتقد أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثل مفتاحاً استراتيجياً لفرض معادلة جديدة في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الموقع المستهدف سبق أن استخدمته القوات الإسرائيلية قبل انسحابها عام 2000، ما يعزز الاعتقاد بأن العودة إليه تحمل أبعاداً تتجاوز العمليات المؤقتة.
قصف تمهيدي واسع يسبق التحركات
خلال الساعات التي سبقت التقدم، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات مكثفة استهدفت الأحراج والتلال المحيطة بالنبطية، بينها مواقع في الجرمق وكفررمان ومحيط علي الطاهر، في محاولة لتقليص قدرة أي تموضع دفاعي محتمل.
كما تزامن القصف مع استهدافات مدفعية ثقيلة على محاور جزين والقطراني ووادي حسن، ما أدى إلى حالة شلل شبه كامل في الحركة الميدانية بالمنطقة المستهدفة.
اشتباكات متقطعة ومحاولات اختبار دفاعات “حزب الله”
في القطاع الغربي من الجنوب اللبناني، سُجلت تحركات محدودة لقوات إسرائيلية باتجاه محاور طيرحرفا والمنصوري، وُصفت بأنها “محاولات جس نبض” للدفاعات القائمة.
وبالتوازي، أعلن “حزب الله” تنفيذ استهدافات لآليات وجنود إسرائيليين في محيط طيرحرفا، ما أدى إلى تراجع بعض الوحدات المهاجمة بعد اشتباكات قصيرة استخدمت فيها صواريخ موجهة وطائرات مسيّرة انقضاضية.
وتؤكد المعطيات أن هذا النمط من الاشتباك يعكس مرحلة اختبار متبادل قبل أي توسع ميداني أكبر.
صور من قلب المعركة… مستشفيات تحت الضغط
لم تقتصر التطورات على الجبهة المفتوحة، إذ طالت الغارات الإسرائيلية مناطق قريبة من مدينة صور، بينها محيط مستشفى حيرام، ما أدى إلى سقوط جرحى من الطواقم الطبية وتضرر مرافق حيوية داخل المستشفى.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية في الجنوب من ضغط متزايد، مع تكرار الاستهدافات لمحيط المستشفيات ومراكز الإغاثة منذ أشهر.
خسائر بشرية وتصعيد متبادل
الجيش الإسرائيلي أعلن من جانبه عن تنفيذ عمليات في العمق الجنوبي اللبناني، قال إنها أسفرت عن مقتل عشرات من عناصر “حزب الله”، إلى جانب تدمير منصات إطلاق صواريخ وضبط أسلحة في مواقع متعددة.
في المقابل، تتواصل الهجمات الصاروخية من الجانب اللبناني بشكل متقطع باتجاه مواقع شمال إسرائيل، ما يعكس استمرار دائرة التصعيد دون مؤشرات تهدئة قريبة.
التقدم باتجاه مرتفعات النبطية لا يبدو مجرد تحرك ميداني معزول، بل جزء من نمط تصعيدي متدرج يعيد تشكيل خرائط الاشتباك في جنوب لبنان، حيث تتداخل العمليات البرية مع القصف الجوي والضغط على البنى التحتية المدنية والعسكرية في آن واحد.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى تلة علي الطاهر أكثر من مجرد نقطة جغرافية، بل عقدة استراتيجية قد تحدد شكل المواجهة المقبلة في القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية الإسرائيلية.









