في قراءة معمقة لعمليات صنع القرار داخل دهاليز السلطة في واشنطن وتل أبيب، بث معهد الدراسات الأمنية المشتركة (JISS)، يوم 14 مارس 2026، حلقة استثنائية من “بودكاست” المعهد، استضاف فيها البروفيسور إيتان جلبوا، الباحث الأول في مركز بيغن السادات والخبير المرموق في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
قدم جلبوا خلال الحوار تحليلا استراتيجيا للمرحلة الراهنة، معتبرا أن التنسيق السياسي والعسكري الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل “لحظة تاريخية غير مسبوقة”، حيث تعد هذه المرة الأولى التي يخوض فيها البلدان حربا كاملة وشاملة كحلفاء في الميدان.
ترامب والانتخابات: إدارة الصراع من منظور نفعي
يرى البروفيسور جلبوا أن الرئيس دونالد ترامب يدير المواجهة العسكرية مع إيران من زاوية “نفعية بحتة”، متأثرا بحالة الاستقطاب الشديدة في الرأي العام الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026. وتظهر استطلاعات الرأي فجوة عميقة؛ حيث تؤيد أغلبية الجمهوريين العمل العسكري، بينما تعارضه أغلبية الديمقراطيين.
وأوضح جلبوا أن ترامب يواجه ضغوطا مزدوجة؛ فمن جهة هناك شرائح “انعزالية” ضمن قاعدته الشعبية كانت تتوقع عهدا من السلام والابتعاد عن حروب الشرق الأوسط، مما أجبر الإدارة على توضيح أهداف الحرب وجدولها الزمني.
وقد طمأن ترامب ناخبيه مؤخرا بأن المواجهة لن تطول، مستشهدا بالنجاح في تدمير القوات البحرية والجوية الإيرانية، وشل القدرات الصاروخية، والتدهور الشديد في بنية الحرس الثوري وقوات الباسيج.
تعريف “النصر” ومعادلة الطاقة
في هذا السياق، أشار جلبوا إلى أن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، وضع تعريفا ميدانيا للنصر يتمثل في “القضاء التام على القدرات العسكرية الإيرانية، بشريا وماديا”. إلا أن هذا الهدف العسكري يصطدم بهاجس اقتصادي يتمثل في أسعار الطاقة.
فقد ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 25% منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب، وهو ما يثير قلقا بالغا لدى إدارة ترامب مع اقتراب صناديق الاقتراع.
وردا على ذلك، أرسى ترامب معادلة ردع واضحة: “أي مساس إيراني بشحنات النفط في مضيق هرمز سيقابله استهداف مباشر وشامل للبنية التحتية للطاقة داخل إيران”.
فشل استراتيجية “ترهيب الخليج”
وحول الدور الإقليمي، كشف البروفيسور جلبوا أن استراتيجية طهران في استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ كانت تهدف إلى دفع هذه الدول الغنية للضغط على واشنطن لوقف الحرب.
لكن هذه الاستراتيجية “أتت بنتائج عكسية تماما”؛ فبينما كانت دول الخليج تميل في البداية لتهدئة الرئيس ترامب، غيرت الهجمات الإيرانية “غير المبررة” وجهة نظرها جذريا، مما عزز من تماسك التحالف المناهض لطهران.
تحذير من “تآكل الإجماع” حول إسرائيل
رغم الإنجازات العسكرية الحالية، وجه جلبوا “تحذيرا شديد اللهجة” بشأن مستقبل العلاقات الثنائية. ولأول مرة، أصبحت إسرائيل قضية مثيرة للجدل الانتخابي داخل الولايات المتحدة. وأشار جلبوا بمرارة إلى أن بعض المرشحين الديمقراطيين باتوا يمنحون الأولوية علنا للقضية الفلسطينية على حساب الدعم التقليدي لإسرائيل، بل ويناقشون بجدية التصويت ضد التعاون العسكري المشترك.
تعليق: رسالة جلبوا للمستقبل
يبدو أن الرسالة الجوهرية التي أراد البروفيسور إيتان جلبوا طرحها هي أن “الرؤية الأمريكية الداخلية تجاه إسرائيل بدأت في التحول الجذري”. هذا التغير يتطلب من صناع القرار في تل أبيب إعادة ترتيب الأولويات والمحددات التي تحكم العلاقة مع واشنطن، فلم يعد الدعم الأمريكي “شيكا على بياض”، بل بات رهينا للتوازنات الحزبية الداخلية والتقلبات الاقتصادية المرتبطة بأسعار الوقود.
البروفيسور إيتان جلبوا (Eitan Gilboa): أكاديمي وخبير إسرائيلي بارز، يشغل منصب باحث أول في مركز بيغن السادات (BESA)، وأستاذ بجامعة بار إيلان. يعد من المراجع الأساسية في تحليل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط ويظهر بانتظام كمحلل استراتيجي في القنوات العالمية مثل i24News.










