في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية بين إثيوبيا وإريتريا خلال الفترة 2025-2026، برزت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كطرف فاعل يسعى جاهداً لمنع انزلاق القرن الأفريقي نحو حرب شاملة قد تطيح بما تبقى من استقرار في المنطقة.
وتشير التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث دولية، إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتبنى نهجاً قائماً على “الترغيب والترهيب” لاحتواء هذا التصعيد، مدفوعةً بمصالح استراتيجية تتعلق بتأمين ممرات البحر الأحمر ومواجهة النفوذ الإيراني والحوثي.
جذور الأزمة: صراع النفوذ والمنفذ البحري
تتغذى الأزمة الراهنة على مزيج من المخاوف الأمنية المتبادلة وعدم اكتمال تنفيذ اتفاقية “بريتوريا” لعام 2022، فمن جهة، تؤكد إثيوبيا أن حصولها على منفذ بحري موثوق بات ضرورة استراتيجية، وهو ما تراه إريتريا تهديداً مباشراً لسيادتها، خاصة مع تحركات إثيوبية محتملة نحو موانئ مثل “عصب”.
ومن جهة أخرى، تتهم إثيوبيا إريتريا بدعم فصائل معادية للحكومة الفيدرالية، مثل “فانو” وجبهة تحرير شعب تيغراي، في حين تنفي أسمرة ذلك وتعتبر الحشود العسكرية الإثيوبية قرب الحدود استفزازاً مباشراً.
واشنطن: نهج الدبلوماسية النفعية
تدرك الإدارة الأمريكية أن اندلاع حرب جديدة سيكون بمثابة كارثة إنسانية واستراتيجية، مما دفعها للانخراط في جهود دبلوماسية مكثفة. وفقاً لمجلة “الإيكونوميست”، يرتكز التحرك الأمريكي على مسارين متوازيين:
أدوات الترغيب: تسعى واشنطن لتقديم حوافز لإريتريا، بما في ذلك إمكانية رفع أو تخفيف العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والاعتراف بموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وذلك كجزء من محاولة لإخراج أسياس أفورقي من عزلته الطويلة مقابل التهدئة.
أدوات الترهيب: في المقابل، تستخدم الإدارة الأمريكية نفوذها لدى إثيوبيا، عبر ربط محادثات الاستثمار والدعم الاقتصادي بمدى الالتزام بالاستقرار، مع توجيه تحذيرات صريحة من عواقب أي أعمال مزعزعة للاستقرار أو استمرار التدخلات بالوكالة.
سيناريوهات المستقبل: بين احتمالات الانفراج والانهيار
على الرغم من النشاط الدبلوماسي الأمريكي المكثف، إلا أن التوقعات تظل حذرة. فالمخاطر لا تزال مرتفعة بسبب انعدام الثقة العميق بين الطرفين، واستمرار الصراعات الداخلية في إثيوبيا، وتداخل ديناميات الحرب بالوكالة التي قد تجذب أطرافاً إقليمية ودولية أخرى (مثل مصر والصومال وقوى خارجية).
ويعتقد خبراء في “مجموعة الأزمات الدولية” أن تجنب الحرب لا يزال ممكناً إذا تم تلبية احتياجات إثيوبيا في الوصول للبحر عبر قنوات دبلوماسية (مثل اتفاقيات الموانئ بدلاً من التوسع العسكري)، مع ضرورة تهدئة الأوضاع في تيغراي.
وتعد هذه الدبلوماسية النفعية التي تتبناها واشنطن جزءاً من نمط أوسع لسياسة ترامب الخارجية، التي تركز على إبرام “صفقات براغماتية” لتجنب الفوضى وتعزيز الأولويات الأمريكية في مواجهة التمدد الصيني والإيراني.
يبقى القرن الأفريقي في حالة ترقب؛ إذ تعتمد استدامة الهدوء على قدرة المبعوثين الأمريكيين على تحويل الوعود بالانفتاح الاقتصادي إلى واقع ملموس، مقابل نجاحهم في كبح جماح التصعيد الميداني الذي قد يغير خريطة المنطقة برمتها.










