الجزائر العاصمة | 16 مارس 2026: تشهد الساحة السياسية والبرلمانية في الجزائر حراكا استثنائيا يتسم بالسرعة والكثافة، يهدف إلى استكمال الترسانة القانونية الناظمة للحياة السياسية والإدارية قبيل الموعد المرتقب للانتخابات التشريعية منتصف العام الجاري.
وبين أروقة المجلس الشعبي الوطني، ومجلس الأمة، وقصر المرادية، تتسارع الخطى لإقرار حزمة قوانين ستعيد تشكيل وجه الدولة الجزائرية لسنوات قادمة.
أجندة تشريعية مكثفة ومراجعات رئاسية
في خطوة حاسمة، صادق المجلس الشعبي الوطني يوم 9 مارس 2026 على مشروعي قانونين جوهريين: قانون الأحزاب السياسية، وقانون التنظيم الإداري الجديد. ومن المقرر أن تنطلق مناقشات هذين المشروعين في “مجلس الأمة” يوم 30 مارس الجاري، تمهيدا للمصادقة النهائية المقررة في 6 أبريل 2026.
وبالتوازي مع هذا المسار البرلماني، يشرف مجلس الوزراء على ترتيبات خاصة لوضع مشروع قانون جديد للدوائر الانتخابية. وفي هذا الصدد، وجه الرئيس عبد المجيد تبون بضرورة مراجعة المشروع وإشراك الأحزاب السياسية في صياغته قبل الإقرار النهائي، مع تشكيل لجنة متابعة تجتمع بمقر رئاسة الجمهورية لضمان التوافق الوطني.
كما تقرر ضمن هذه الحزمة نقل بعض الصلاحيات الإجرائية من السلطة المستقلة للانتخابات إلى وزارة الداخلية، في خطوة تهدف لتنسيق لوجستي أعمق.
ثورة إدارية: 11 ولاية جديدة تدخل الخارطة
يمثل مشروع “التقسيم الإداري الجديد” أحد أضخم التحولات الهيكلية في تاريخ الجزائر الحديث، حيث تقرر رفع عدد الولايات من 58 إلى 69 ولاية، من خلال ترقية 11 ولاية جديدة كاملة الصلاحيات.
وتشمل هذه الولايات: (أفلوا، بريكة، القنطرة، بئر العاتر، العريشة، قصر الشلالة، عين وسارة، مسعد، قصر البخاري، بوسعادة، والأبيض سيدي الشيخ).
وتهدف هذه الخطوة إلى تقريب الإدارة من المواطن وتحسين جودة الخدمات العامة، مع ضمان تمثيل أكثر عدالة للسكان في البرلمان وتعزيز مبدأ المساواة في الأصوات.
ورغم هذا التوسع الولائي، تقرر الإبقاء على عدد البلديات دون تغيير (1541 بلدية). ومن المقرر أن تنتهي ولاية السلطات في الولايات الأصلية من تنظيم المجالس التنفيذية وتدشين الهياكل الجديدة في أجل أقصاه ديسمبر 2025، لتدخل الولايات الـ11 حيز الخدمة الفعلي تزامنا مع المسار الانتخابي لعام 2026.
جدل التمويل والقيادة: المعارضة تتحفظ
رغم طابع التحديث الذي تكتسيه القوانين، إلا أنها لم تخل من معارضة حزبية قوية. وحذرت “حركة مجتمع السلم” (حمس) -التي تمتلك ثالث أكبر كتلة برلمانية- من احتمال استخدام ملف “التمويل العام” كوسيلة للضغط أو الابتزاز السياسي.
وأكدت الحركة أن التمويل يجب أن يخضع لإجراءات شفافة بعيدا عن “المزاج السياسي” للسلطة التنفيذية، مشيرة إلى أن ظروف النشاط الحزبي في عامي 2025 و2026 اختلفت كليا عما كانت عليه سابقا.
من جهته، طالب حزب “جبهة القوى الاشتراكية” (أقدم أحزاب المعارضة) بفرض رقابة صارمة على استعمال أملاك ووسائل الدولة في الحملات الانتخابية، مستحثا السلطات على إقرار آليات تضمن عدالة التوزيع المالي بين الأحزاب والمرشحين لضمان تكافؤ الفرص.
هندسة جديدة للحياة الحزبية
يتضمن قانون الأحزاب الجديد شروطا “قاسية” ومنظمة تهدف إلى “تطهير” العمل السياسي، ومن أبرزها تحديث التأسيس عبر فرض نسبة 10% لتمثيل الشباب والنساء في هيكل التأسيس، وتوزيع المؤسسين على ربع ولايات الوطن على الأقل.
و الالتزام الصارم بثوابت الأمة (الإسلام، العروبة، الأمازيغية) واحترام مقتضيات الأمن والدفاع الوطنيين، ومنع إقامة أي علاقة تبعية لجهات أجنبية، وحظر إنشاء مكاتب حزبية بالخارج، ومنع تلقي تمويل أجنبي بصفة مباشرة أو غير مباشرة،
وكذلك منع تجديد قيادة الأحزاب لأكثر من عهدتين (كل عهدة 5 سنوات)، لضمان التشبيب ومنع “الزعامة الأبدية”.
توقعات الخريطة السياسية القادمة
يرى محللون أن التقسيم الإداري الجديد والقوانين المنظمة قد تغير “خريطة النفوذ” التقليدية.
فبينما يرجح احتفاظ أحزاب السلطة بنفوذها في الولايات الكبرى كالعاصمة ووهران، فإن الولايات الجديدة الـ11 قد تشكل بيئة خصبة للمستقلين وأحزاب المعارضة لتحقيق خروقات انتخابية، نظرا لتغير التركيبة الديموغرافية والاحتياجات التنموية في تلك المناطق المتوسطة التأثير.
إن الجزائر اليوم تسابق الزمن لضبط عقارب ساعتها السياسية على توقيت “الجمهورية الجديدة”، وسط ترقب شعبي لما ستسفر عنه صناديق الاقتراع في منتصف 2026، في ظل بيئة قانونية وإدارية هي الأكثر تعقيدا وتنظيما منذ عقود.










