المدينة الإيطالية تجمع بين السياسة والاقتصاد لتصبح محورًا استراتيجيًا للتكامل الأوروبي والروابط التجارية العالمية
روما – 17 مارس 2026 المنشر الإخباري
احتلت مدينة ترييستي الإيطالية موقعًا استراتيجيًا مزدوجًا، إذ باتت تُعتبر مركزًا لإعادة توحيد القارة الأوروبية مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه بوابة محتملة لممر تجاري جديد يربط بين آسيا، الخليج، البحر المتوسط، وأوروبا الوسطى والشرقية.
جاء ذلك خلال الاحتفال بالذكرى الثلاثين للأمانة التنفيذية لمبادرة أوروبا الوسطى (INCE) وفي منتدى الممر الهندي المتوسطي الأوروبي (Imec)، حيث أشار الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا إلى أهمية المدينة بوصفها “مكانًا للحدود واللقاء”، تجمع بين التنوع اللغوي والثقافي، ومركزًا طبيعيًا للحوار الأوروبي وإعادة توحيد القارة ودمج منطقة البلقان، وأوكرانيا، ومولدوفا ضمن أفق مشترك للاتحاد الأوروبي.
ترييستي بين السياسة والاقتصاد
أكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني أن ترييستي تمثل رمزًا للوحدة الوطنية ومدينة استراتيجية على المستوى الاقتصادي والسياسي، مشيرًا إلى أن المنطقة تتميز بنسيج إنتاجي ديناميكي ومبتكر، متكامل مع اقتصاد أوروبا الوسطى ومنطقة البحر الأدرياتيكي والبلقان، وهو ما يجعلها محورًا طبيعيًا لتعزيز النمو والقدرة التنافسية.
وأشار تاجاني إلى أن الحديث عن البلقان لا يعني إهمال أوكرانيا ومولدوفا، اللتين تمتلكان كامل الحق في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن مهمة المبادرة هي تعزيز إعادة توحيد أوروبا على المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية معًا.
كما شدد على الانضمام الإيطالي لمبادرة البحار الثلاثة، التي تعزز دور ترييستي كجسر يربط بين البحر الأدرياتيكي، البحر الأسود، والبحر البلطيقي، مؤكداً أن المدينة ستصبح نقطة محورية لربط الممرات التجارية بين أوروبا وآسيا.
مواقف المشاركين الدوليين
عزز ممثلو الدول الأخرى هذا التوجه، حيث أكد وزير الخارجية البوسني إلميدين كوناكوفيتش أن أوروبا اليوم بحاجة إلى حلفاء أكثر من أي وقت مضى، معتبرًا انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي أولوية قصوى.
وأعرب نائب رئيس وزراء سلوفاكيا توماس تارابا عن دعم بلاده لتوسيع الاتحاد الأوروبي نحو البلقان الغربي، مع التأكيد على ضرورة الموازنة بين التكامل السياسي والتنافسية الاقتصادية. وأكدت وزيرة الخارجية الرومانية أونا توجو أهمية أوروبا الموحدة والمرنة، بينما شدد وزير الخارجية الصربي ماركو دوريć على أن أي مبادرة تقرب المناطق الأخرى من الاتحاد الأوروبي تعتبر إيجابية، واعتبر عدم إدماج البلقان الغربي في الاتحاد أمرًا محرجًا للحكومات الأوروبية.
كما أكد المسؤولون الأوكرانيون والكروات والمولدوفيون والسلوفينيون أهمية التوسع الأوروبي لتعزيز الصمود الديمقراطي والتعاون الإقليمي، واعتبروا هذه المبادرة ضرورة جيوستراتيجية لربط القارة بالكامل.
الممر الهندي المتوسطي الأوروبي (Imec)
في المنتدى المخصص للممر، شدد تاجاني على دور ترييستي كمركز محوري في شبكة التجارة الأوروبية-الآسيوية، مؤكدًا أن أي اقتراح لتوجيه الممر عبر مرسيليا لا يعد بديلاً عن ترييستي، بل يمكن أن يكون تفرعًا طبيعيًا ضمن الشبكة. وأوضح أن الهند ودول الخليج تدعم المشروع، داعيًا إلى تسريع تنفيذه، مع التأكيد على أن ترييستي ستظل نقطة الانطلاق والنهاية لهذا الممر الحيوي.
وشدد الرئيس الإقليمي لفريولي-فينيتسيا جوليا، ماسيمليانو فيدريغا، على أهمية تعزيز الروابط عبر الأقاليم والشركات المحلية، مشيرًا إلى أن العلاقات المبنية على الأقاليم تستمر حتى بعد تغير الحكومات.
بدوره، أكد رئيس الهيئة الإيطالية للتجارة الدولية، ماتيو زوباس، أن الممر يوفر فرصًا اقتصادية ملموسة للمدينة والمنطقة، مبرزًا تقديرًا أوليًا بالعائد الاقتصادي للمشروع بنحو 26 مليار يورو، مع توقع زيادة الصادرات الإيطالية من 640 مليار يورو إلى 700 مليار يورو، وهو ما يتيح تقليص التكاليف وتحسين تنافسية الشركات على الأسواق الدولية.
كانت ترييستي، كما وصفها ماتاريلا، “مكانًا للحدود واللقاء”، وظهر ذلك بوضوح في المنتدى الذي جمع السياسة والاقتصاد والاستراتيجية، إذ أثبتت المدينة إمكانياتها لتكون محورًا لإعادة توحيد أوروبا ومركزًا لربط التجارة بين أوروبا وآسيا والخليج، ما يعزز دورها كمدينة استراتيجية تجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والجغرافية في الوقت نفسه.










