أعلنت وكالة الطاقة الدولية (IEA) خفضًا كبيرًا في توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026، في تقريرها الشهري الأحدث الذي صدر اليوم.
يأتي هذا التعديل وسط تباطؤ اقتصادي عالمي متسارع، وتسارع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، مما يعكس تحولاً جذرياً في ديناميكيات سوق الطاقة.
أسباب الخفض الدراماتيكي
خفضت الوكالة توقعات نمو الطلب من 930 ألف برميل يوميًا (كما في يناير 2026) إلى 640 ألف برميل يوميًا فقط، بانخفاض بنسبة 31%، بسبب عدة عوامل مترابطة. أولها الركود الاقتصادي في الصين، أكبر مستهلك للنفط، حيث تراجعت توقعات نمو الناتج المحلي بنسبة 0.5% إلى 4.1% فقط، مما يقلل الطلب الصناعي بنحو 200 ألف برميل يوميًا.
كما ساهمت السياسات البيئية الأوروبية الجديدة، بما في ذلك ضرائب الكربون المرتفعة، في تقليص استهلاك الوقود بنسبة 15% في قطاع النقل.
ثانيًا، أدى انتشار السيارات الكهربائية إلى سرعة غير مسبوقة، حيث بلغت مبيعاتها 25 مليون وحدة عالميًا في 2025، مما يحل محل 1.2 مليون برميل يوميًا من الطلب على البنزين. في الولايات المتحدة، أعلنت حكومة ترامب دعمًا إضافيًا للطاقة المتجددة، مما يعزز كفاءة الاستهلاك الصناعي.
هذه التطورات تجعل إجمالي الطلب العالمي يصل إلى 104.2 مليون برميل يوميًا في 2026، أقل بـ300 ألف برميل عن التوقعات السابقة.
تأثير على العرض والأسعار
رغم خفض توقعات الطلب، حافظت الوكالة على توقعات نمو العرض عند 1.1 مليون برميل يوميًا، مدعومًا بإنتاج غير أوبك+ مثل الولايات المتحدة (زيادة 600 ألف برميل) والبرازيل (300 ألف). هذا يعني فائضًا هائلاً يصل إلى 4.5 مليون برميل يوميًا، أعلى من الـ3.7 مليون المتوقع سابقًا، مما يضغط على أسعار برنت لتنخفض إلى 55 دولارًا للبرميل في الربع الثالث من 2026.
أوبك+، التي خفضت إنتاجها بنسبة 2% في فبراير، تواجه ضغوطًا متزايدة، خاصة السعودية التي قد تخسر 150 ألف برميل يوميًا من حصتها.
روسيا، بدورها، حافظت على إنتاج 9.5 مليون برميل، لكن عقوبات جديدة أمريكية قد تقلص صادراتها إلى آسيا.
التأثيرات الجيوسياسية والاقتصادية
يُثير الخفض مخاوف في الدول المنتجة، حيث يهدد ميزانيات الخليج بنقص 200 مليار دولار، مما قد يسرع برامج التنويع مثل “رؤية 2030” السعودية.
في أفريقيا، تعاني الجزائر ونيجيريا من تراجع الإيرادات، بينما تستفيد الهند والصين من أسعار منخفضة. جيوسياسيًا، يقلل الفائض من نفوذ روسيا وإيران، خاصة مع توترات الشرق الأوسط التي لم ترفع الأسعار كما هو متوقع.
من الناحية البيئية، يدعم الخفض أهداف اتفاقية باريس، إذ يقلل انبعاثات الكربون بنحو 500 مليون طن، مع زيادة الاستثمار في الهيدروجين الأخضر إلى 300 مليار دولار عالميًا.
ومع ذلك، يحذر التقرير من مخاطر تقلبات، مثل اضطرابات الإمدادات في فنزويلا أو حرب تجارية أمريكية-صينية.
آفاق السوق والتوصيات
تتوقع الوكالة استقرارًا نسبيًا في النصف الثاني من 2026 إذا حافظت أوبك+ على خفض الإنتاج، لكن الفائض سيظل يضغط حتى 2027. توصي الدول المستوردة بتخزين الاحتياطيات، بينما تدعو المنتجين إلى تسريع التحول نحو الغاز والطاقة الشمسية. هذا الخفض ليس مجرد تعديل إحصائي، بل إشارة إلى عصر نفطي جديد يسيطر عليه الكهرباء والكفاءة.










