بينما تتجه أنظار العالم نحو الانفجارات العسكرية وحركة الصواريخ في مياه الخليج، تدور في الأفق أزمة إنسانية واقتصادية صامتة تطال ملايين العمال المهاجرين العالقين وسط النيران.
هؤلاء العمال، الذين يمثلون العمود الفقري لقطاعات البناء والخدمات في دول الخليج، يجدون أنفسهم اليوم عاجزين عن إرسال الأموال التي تعتمد عليها عائلاتهم واقتصادات بلدانهم الأصلية للبقاء على قيد الحياة.
نزيف التحويلات واهتزاز الاقتصادات الهشة
يستضيف الخليج أكثر من 30 مليون عامل من مصر وجنوب آسيا وأفريقيا والفلبين وبنغلاديش والهند وباكستان وسريلانكا وإثيوبيا، بالنسبة لهذه الدول، لا تعد تحويلات العمال مجرد دخل إضافي، بل هي المصدر الرئيسي للعملة الصعبة.
بنغلاديش، التي تلقت نحو 23 مليار دولار في 2025، تعتمد على هذه الأموال لاستيراد الطاقة والأسمدة. أما سريلانكا وباكستان، فتمثل هذه التدفقات ركيزة استقرار موازين مدفوعاتهما أمام التزامات الديون الدولية.
لكن الحرب غيرت كل شيء؛ فمنذ 28 فبراير الماضي، ألغيت أكثر من 23 ألف رحلة جوية، وتعطلت الملاحة الجوية مرارا في مطارات رئيسية مثل دبي. هذا الاضطراب أدى إلى تقليص ساعات العمل، وتعليق مشاريع البناء والضيافة، وصعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية، مما تسبب في تناقص تدريجي ومخيف في المبالغ المرسلة إلى الخارج.
حصار مضيق هرمز: أزمة سماد ونقص سيولة
تتجلى الكارثة فيما يمكن وصفه بـ “الضربة المزدوجة”. فالدول التي تعاني حاليا من نقص حاد في الأسمدة جراء حصار مضيق هرمز، تفقد في الوقت ذاته دخل التحويلات الذي كان سيمكنها من شراء البدائل في الأسواق العالمية.
بنغلاديش، التي تواجه أسعارا فلكية لسماد “اليوريا” تصل إلى 683 دولارا، تجد خزائنها خاوية من الدولارات القادمة من دبي والدوحة، وفي سريلانكا، حيث يقنن الوقود وتعلن العطلات الرسمية القسرية، تتراجع التحويلات في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى كل “روبية” لدعم حسابها الجاري.
مأساة إنسانية في حقول الأرز
هذا الانهيار ليس مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل هو واقع مرير يعيشه مزارع في “سيلهيت” ببنغلاديش، كان ينتظر راتب شقيقه من دبي لشراء السماد لموسم الأرز، ليجد نفسه اليوم أمام حقل خال من النيتروجين وعائلة محرومة من مصدر رزقها الوحيد.
إن انكماش التحويلات المالية يؤدي إلى إزالة الاحتياطي المالي الذي كان من الممكن أن يخفف حدة الأزمة الزراعية. كلاهما —نقص السماد وتوقف المال— يمر عبر نقطة الاختناق ذاتها في مضيق هرمز، وكلاهما يضرب نفس الفئات الضعيفة في نفس التوقيت. إنها أزمة إنسان يقف في حقله، يشاهد شرياني حياته يقطعان في آن واحد بسبب صراع يدور حول ممر مائي لا يتجاوز طوله 21 ميلا.










