واصل الذهب تراجعه الحاد في الأسواق المحلية والعالمية خلال تعاملات اليوم الخميس، مسجلا أطول سلسلة خسائر يومية منذ أكتوبر 2023، في ظل معادلة عكسية مفاجئة: حرب مشتعلة في الشرق الأوسط لم تحول المعدن الأصفر إلى ملاذ آمن، بل دفعته نحو قاع لم يبلغه منذ أكثر من شهر.
الأسواق المحلية: 200 جنيه في يوم واحد
على صعيد السوق المحلية، فقد جرام الذهب نحو 200 جنيه خلال تعاملات اليوم وحده، ليستقر عيار 21 — الأكثر مبيعا في مصر — عند مستوى 7000 جنيه، بعد أن كان يسجل 7200 جنيه في الجلسة السابقة. وكانت الأسعار قد تراجعت قبل يومين بنحو 110 جنيهات إضافية، في موجة هبوط متتالية لم تجد معها مقاومة تذكر من المشترين.
وجاءت بقية العيارات على المنوال ذاته؛ إذ سجل عيار 18 نحو 6000 جنيه، وتراجع عيار 24 إلى 8000 جنيه، فيما هبط سعر الجنيه الذهب بنحو 4600 جنيه دفعة واحدة ليصل إلى 56 ألف جنيه، وذلك دون احتساب المصنعية وضريبتي الدمغة والقيمة المضافة.
وأوضح المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، أن الأسعار المحلية لا تزال تتداول بعلاوة سعرية تقدر بنحو 300 جنيه فوق السعر العالمي، وفق سعر صرف الدولار الرسمي بالبنك المركزي البالغ 52.39 جنيها، مشيرا إلى أن الأوقية في البورصة العالمية تراجعت بنحو 252 دولارا لتسجل 4568 دولارا.
عالميا: سابع يوم من التراجع المتواصل
على الصعيد الدولي، واصل الذهب خسائره لليوم السابع على التوالي في سابقة لافتة تكشف عمق الضغوط التي يواجهها المعدن. وانخفض سعره في التعاملات الفورية بنسبة 2.75% ليسجل 4686 دولارا للأونصة، فيما هبطت العقود الآجلة بنحو 4% لتصل إلى 4703 دولارات.
وكان الذهب قد بلغ ذروته خلال الأسبوع الماضي عند 7550 جنيها للجرام محليا، قبل أن يغلق تداولات الأسبوع عند 7420 جنيها بارتفاع أسبوعي بلغ 2.6%، ثم عاد ليتخلى عن كل مكاسبه وأكثر في الأيام التالية.
المفارقة الكبرى: حرب تضعف الذهب بدلا من أن تقويه
تكمن المفارقة اللافتة في أن الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، التي كان يفترض نظريا أن تدفع المستثمرين نحو الذهب ملاذا آمنا، باتت هي ذاتها العامل الأكثر ضغطا على أسعاره. والمنطق وراء ذلك اقتصادي بامتياز: أدى تصاعد الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والطاقة، ما أشعل مجددا المخاوف التضخمية وأضعف التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية في المدى المنظور، وهو ما يقلص الجاذبية الاستثمارية للذهب الذي لا يدر عائدا دوريا.
ويضاف إلى ذلك أن السوق المحلية في مصر تواجه تراجعا في السيولة نتيجة توقف جزء من عمليات التصدير، بسبب اضطراب حركة الطيران والشحن الجوي على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، وفق بيانات شعبة الذهب والمعادن.
الفيدرالي يحكم القبضة: خفض واحد فقط في 2026
وجاء الضغط الأكبر من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي ثبت أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، مؤكدا تمسكه بنهج الاعتماد على البيانات قبل اتخاذ أي قرار بالتخفيض. وأظهرت التوقعات المحدثة للفيدرالي الإبقاء على خفض واحد فقط طوال عام 2026، مع رفع تقديرات التضخم إلى 2.7% بحلول نهاية العام.
وأكد رئيس الفيدرالي جيروم باول أن الضغوط التضخمية لا تزال مدفوعة بارتفاع أسعار السلع والطاقة، مشيرا إلى أن البنك المركزي لن يتجه إلى خفض الفائدة قبل تحقيق تقدم ملموس وواضح في معركة السيطرة على التضخم، في رسالة قرأها المستثمرون بوضوح: الذهب سيظل تحت الضغط طالما بقيت الفائدة مرتفعة.










