في تصريحات تعكس حالة التجاذب الحاد بين الدبلوماسية الدولية التقليدية والتوجهات الأمريكية الجديدة، دافع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن دور المنظمة الأممية كركيزة أساسية للعمل متعدد الأطراف في مواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة.
ومع ذلك، فجر غوتيريش مفاجأة باعترافه بالتعاون “بشكل فعال” مع “مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم وصفه لهذا المجلس بأنه مجرد “مشروع شخصي” للرئيس.
تعاون اضطراري في غزة
في مقابلة حصرية أجراها مع موقع “بوليتيكو” في بروكسل هذا الأسبوع، أوضح غوتيريش أن الأمم المتحدة ترحب بهدف مجلس السلام المتعلق بتمويل وتنفيذ أساسيات خطة إعادة إعمار قطاع غزة، بما يشمل إعادة بناء المنازل والبنية التحتية المدمرة.
وقال غوتيريش: “هناك هدف محدد تمت الموافقة عليه من قبل مجلس الأمن، ونحن نتعاون بنشاط مع الهياكل التي أنشأها مجلس السلام لتحقيق هذا الغرض الميداني”.
إلا أن هذا التعاون التقني لم يمنع غوتيريش من إبداء شكوك عميقة حول الطموحات الأوسع لهذه المنظمة التي أطلقها ترامب في سبتمبر 2025 كبديل للمؤسسات الدولية التي وصفها بـ “الفاشلة”. وكان ترامب قد أعلن نفسه رئيسا مدى الحياة للمجلس، مؤكدا أنه سيصبح “الهيئة الدولية الأكثر أهمية في التاريخ”.
مجلس “المليار دولار” والانقسام الدولي
تثير هيكلية “مجلس السلام” جدلا واسعا، حيث تتطلب العضوية الدائمة فيه مساهمة مالية ضخمة قدرها مليار دولار. هذا الشرط، بالإضافة إلى صبغته السياسية، دفع ديمقراطيات كبرى مثل المملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا إلى الامتناع عن الانضمام.
وفي المقابل، رفضت روسيا والصين الانخراط فيه، مما جعل العضوية تقتصر على مجموعة متباينة من الدول مثل بيلاروسيا وأذربيجان.
وفي إشارة إلى طبيعة إدارة ترامب للملف، ذكر التقرير أن الرئيس الأمريكي سحب دعوته لكندا للانضمام في يناير الماضي إثر خلاف دبلوماسي.
وعلق غوتيريش على ذلك قائلا: “لا أرى حاجة لهذا المجلس إلا في إطار إعادة إعمار غزة. كل ما عدا ذلك هو مشروع شخصي للرئيس ترامب يسيطر فيه على كل شيء، وهذه ليست الطريقة الفعالة لمعالجة الأزمات الجسيمة”. وشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي وقيم ميثاق الأمم المتحدة كشرط أساسي لأي مبادرة سلام.
الأزمة الإيرانية وتجاهل ترامب
تأتي تصريحات غوتيريش خلال زيارته لبروكسل لحضور اجتماع المجلس الأوروبي، الذي هيمنت عليه أخبار الحرب الإيرانية والتصعيد العسكري الأخير.
وعند سؤاله عما إذا كان قد تواصل مع ترامب منذ اندلاع الأزمة الإيرانية، أجاب غوتيريش بحزم: “لا، لا، لا”، مبينا أنه يتواصل مع مسؤولين آخرين في الإدارة الأمريكية دون الكشف عن هوياتهم.
ودافع الأمين العام بقوة عن قدرة الأمم المتحدة على إدارة النزاعات المعقدة، مستشهدا بأزمة مضيق هرمز. وأشار إلى أن المنظمة يمكن أن تكون جزءا من خطة لخفض التصعيد وحماية الممر المائي الحيوي، تماما كما فعلت في “مبادرة البحر الأسود” عام 2022 لتصدير الحبوب الأوكرانية.
وختم غوتيريش حديثه بالتأكيد على رغبته في تهيئة ظروف في مضيق هرمز تضمن استقرار الملاحة، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة على اتصال مع القوى الإقليمية والمجلس الأوروبي، ومؤكدا: “نحن على استعداد لإدارة النظام ولدينا فرق عمل مجهزة، لكننا نفضل دائما العمل المباشر مع الولايات المتحدة والدول الأخرى تحت مظلة الشرعية الدولية”.










