الرئيس القبرصي يدعو لفتح نقاش حول مستقبل القاعدتين البريطانيّتين في أكروتيري وديكيليا، وسط دعم سياسي أوروبي، بينما يبقى الإطار القانوني صلبًا ويحد من قدرة نيقوسيا على التحرك منفردة.
نيقوسيا –21 مارس 2026 المنشر الإخباري
تبحث قبرص عن فتح حوار مع المملكة المتحدة بشأن مستقبل القواعد العسكرية البريطانية في جزيرتي أكروتيري وديكيليا، في ظل التوترات الإقليمية المستمرة والتداعيات الناتجة عن الهجوم الأخير بطائرات مسيرة على قاعدة أكروتيري الجوية. وقد أكدت نيقوسيا أن هذا الحوار يستند إلى دعم سياسي من الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، الذي يمكن أن يعزز موقفها على المستوى الدبلوماسي، لكنه لا يغير من الواقع القانوني الراسخ الذي يضمن السيطرة البريطانية الكاملة على هذه القواعد.
وقد أعلن الرئيس القبرصي، نيكوس كريستودوليدس، في تصريحات له قبيل قمة المجلس الأوروبي في بروكسل، قائلاً: “عندما تنتهي الأزمة الحالية في الشرق الأوسط، علينا أن نفتح حواراً صريحاً وشفافاً مع الحكومة البريطانية بشأن الوضع القانوني والمستقبلي للقواعد البريطانية في قبرص”. ويشير هذا التصريح إلى رغبة قبرص في بحث جميع الخيارات الممكنة ضمن إطار تفاوضي متعدد الأطراف، بما يشمل الدعم السياسي الأوروبي.
الإطار القانوني للقواعد العسكرية البريطانية
تبقى السيطرة القانونية على القواعد العسكرية البريطانية في قبرص صلبة للغاية، مستندة إلى معاهدة إنشاء جمهورية قبرص لعام 1960، التي وقعتها كل من المملكة المتحدة واليونان وتركيا وجمهورية قبرص عند استقلال الجزيرة. تنص المعاهدة على أن منطقتي أكروتيري وديكيليا ستظل تحت السيادة البريطانية بشكل كامل، وتفرض على حكومة قبرص التعاون الكامل مع المملكة المتحدة لضمان الأمن وتشغيل القواعد بشكل فعال، مع منح بريطانيا كافة الحقوق المترتبة على المعاهدة.
وتوضح الأستاذة ناسية حجيجورجيو، خبيرة العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان في جامعة لانكشاير المركزية في قبرص، أن “معاهدة التأسيس أنشأت كل من القواعد البريطانية والمركز السياسي لجمهورية قبرص، لذلك فإن أي محاولة من قبرص للطعن في المعاهدة تعني الطعن في وجود الدولة نفسها”. وتضيف: “القواعد هي أراضٍ بريطانية بالكامل، وقرار إنهائها أو تعديل وضعها القانوني يعود بشكل كامل إلى الحكومة البريطانية”.
الإرث التاريخي وتأثيره على السيادة
يُعتبر الوضع الحالي للقواعد البريطانية انعكاساً واضحاً للإرث الاستعماري، إذ كانت قبرص مستعمرة بريطانية حتى عام 1960، وما زالت القواعد تمثل نحو 3% من مساحة الجزيرة. وتشكل هذه القواعد اليوم جزءاً من الواقع السياسي والجغرافي للجزيرة، حيث يعيش داخلها أكثر من عشرة آلاف مواطن قبرصي. ويشير الرئيس كريستودوليدس إلى أن الحكومة القبرصية تتحمل مسؤولية مباشرة تجاه هؤلاء السكان، ما يمنحها مبرراً قوياً لمطالبة لندن بتوضيح أغراض استخدام القواعد، خصوصاً بعد الهجوم بطائرة مسيرة على قاعدة أكروتيري، والذي طال أيضاً مخزناً للطائرات، بما فيها طائرات تجسسية أمريكية من طراز U-2، مما أثار المخاوف من تورط الجزيرة بشكل غير مباشر في التوترات الإقليمية.
التحديات القانونية الدولية
على الصعيد القانوني الدولي، يبقى أمام قبرص خيار محدود للغاية. تنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات على أن إنهاء أي معاهدة أو انسحاب طرف منها يمكن أن يتم وفق نصوص المعاهدة نفسها أو بموافقة جميع الأطراف. وبما أن معاهدة 1960 لم تحتوي على بنود واضحة للانسحاب الأحادي، فإن أي محاولة قبرصية للتصرف بشكل منفرد ستكون ضعيفة قانونياً وقابلة للطعن بسهولة.
وتؤكد حجيجورجيو أن الطريق الأكثر واقعية هو اللجوء إلى التفاوض السياسي والقانوني مع المملكة المتحدة، سواء عبر اتفاق ثنائي لإعادة تحديد وضع القواعد، أو من خلال دمج ملف القواعد ضمن مفاوضات أوسع تتعلق بأمن الجزيرة وإعادة توحيدها.
الخيارات الاستراتيجية أمام قبرص
1. مفاوضات ثنائية مباشرة: يمكن لقبرص فتح حوار ثنائي مع بريطانيا لتقليص مساحة القواعد أو إعادة جزء منها إلى السيادة القبرصية، كما جرت محاولات مماثلة عام 2009، حين أبدت لندن استعدادها للتخلي عن نحو نصف أراضيها في إطار تسوية محتملة لإعادة توحيد الجزيرة.
2. دمج ملف القواعد ضمن مفاوضات شاملة: يمكن أن تُدرج قضية القواعد ضمن اتفاقيات أكبر تتعلق بالأمن وإعادة توحيد قبرص، مما يسمح بإعادة تقييم الوضع القانوني والسياسي للقواعد كجزء من تسوية أوسع.
3. تدويل القضية عبر الاتحاد الأوروبي: أشار قادة القارة الأوروبية إلى استعدادهم لدعم قبرص سياسياً في هذه القضية، لكنهم لا يمتلكون صلاحيات قانونية لتعديل الوضع القائم. فالاتحاد يمكن أن يقدم الدعم السياسي والدبلوماسي فقط، دون المساس بالمعاهدة الأصلية.
التوازن بين السيادة والقيود السياسية
على الرغم من سيادة بريطانيا الكاملة على القواعد، فقد وضعت لندن قيوداً واضحة منذ البداية عبر إعلان مصاحب للمعاهدة، ينص على أن القواعد لا تُستخدم إلا لأغراض عسكرية، ولا يجوز تحويلها إلى مستوطنات مدنية أو مراكز تجارية، وهو ما يعكس حرص لندن على عدم تحويل الأراضي السيادية إلى استمرار مباشر للسيطرة الاستعمارية. ويرى المراقبون أن هذا التوازن بين السيادة والقيود السياسية يمثل جزءاً من الخطاب القبرصي الحالي، الذي يربط بين الحقبة الاستعمارية والوضع الراهن.
أبعاد إنسانية وسكانية
تعيش داخل القواعد البريطانية أكثر من عشرة آلاف مواطن قبرصي، ما يجعل المسألة ذات بعد إنساني مباشر، ويعزز مطالب نيقوسيا بالحصول على توضيحات دقيقة حول استخدام هذه القواعد. وقد زاد الهجوم الأخير على قاعدة أكروتيري من حدة المخاوف القبرصية، حيث طال الهجوم مستودعاً للطائرات التجسسية الأمريكية، ما يزيد من احتمالية تورط الجزيرة في صراعات إقليمية دون أن تكون طرفاً فعلياً.
السيناريوهات المحتملة
توضح حجيجورجيو أن السيناريو الأول يتمثل في قرار بريطاني مستقل بعدم الحاجة إلى القواعد، ما يسمح بإعادتها إلى قبرص وفق ما تنص عليه المعاهدة. لكن هذا الاحتمال غير محتمل، نظراً لأهمية القواعد كأكبر نقطة عسكرية بريطانية في الشرق الأوسط.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بإمكانية لجوء قبرص إلى سبل قانونية دولية لإعادة التفاوض أو “إزالة الاستعمار” وفق نماذج مثل قضية جزر تشاغوس، إلا أن هذه الطريق محفوفة بالمخاطر وقد لا تحقق أهدافها.
في النهاية، يبقى الدعم الأوروبي فرصة سياسية مهمة لنيقوسيا لتعزيز موقفها والتفاوض مع لندن، لكن السيطرة القانونية على القواعد تظل بالكامل بيد المملكة المتحدة. قبرص يمكنها التفاوض ومحاولة تدويل القضية، والاستفادة من التغيرات الجيوسياسية، لكنها لن تتمكن من فرض مراجعة سريعة على الوضع القانوني والسياسي لهذه القواعد، الموروثة من استقلالها عام 1960.










