في ظل المنافسة الشرسة على تصفيات كأس العالم 2026، الذي سيقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يواجه المنتخب المصري تحديًا وجوديًا: هل يلجأ إلى سياسة التجنيس لتعزيز صفوفه، أم يعتمد على الدماء المصرية النقية؟ هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش رياضي، بل أصبح قضية وطنية تثير الجدل في الشوارع والملاعب والبرامج التحليلية.
تاريخيًا، لم يكن التجنيس غريبًا عن كرة القدم المصرية. منذ عقود، شهد المنتخب إدراج لاعبين ذوي أصول مصرية من الشتات، مثل البرازيلي جيوفاني، الذي حصل على الجنسية المصرية عام 2004 وشارك في تصفيات كأس أمم إفريقيا.
كما انضم المهاجم التونسي الأصل محمد أبو تريكة، لكن التجربة الأبرز كانت مع الثنائي السوداني-مصري إيمانويل عني وأخيه، اللذين لعبوا مع الفراعنة في عهد هيكتور كوبر.
هذه الحالات أثارت جدلاً، لكنها لم تكن سياسة شاملة كما في منتخبات أخرى مثل المغرب أو الجزائر، التي بنت إمبراطورياتها على “الجيش المترجم”.
في السنوات الأخيرة، تفاقم الوضع.
بعد فشل مصر في التأهل لكأس العالم 2018 و2022، رغم بطولتي كأس أمم إفريقيا 2017 و2022، أصبح الاعتماد على محمد صلاح ومحمود تريزيغي ومحمد النني غير كافٍ.
المنتخب يعاني من جيل انتقالي ضعيف، مع إصابات متكررة وغياب نجوم مثل رمضان صبحي وأحمد حجازي في أوج أدائهم.
إحصائيًا، يحتل المنتخب المركز 30 عالميًا حسب تصنيف الفيفا (مارس 2026)، لكنه يواجه في تصفيات إفريقيا منافسين مثل نيجيريا والسنغال، اللذين يمتلكان لاعبين متأصلين في الدوريات الأوروبية.
هنا يبرز خيار التجنيس كحل سريع.
الاتحاد المصري لكرة القدم، برئاسة طارق رئيس، يدرس ملفات عشرات اللاعبين ذوي الأصول المصرية في أوروبا وأمريكا الشمالية. من أبرزهم:
عمر مرمر، الظهير الأيمن البالغ 24 عامًا، يلعب مع أياكس أمستردام، وأبوه مصري من الإسكندرية. رفض المنتخب الهولندي استدعاءه، مما يفتح الباب لمصر.
يوسف عطا الله، قلب دفاع في نادي لايبزيغ الألماني، يحمل جوازًا مصريًا جزئيًا عبر جدّه. قال في مقابلة حديثة: “مصر في قلبي، لكن الاستدعاء يجب أن يكون جديًا”.
أحمد زكي (لاعب خط وسط في الدوري الإنجليزي الدرجة الأولى مع كوينز بارك رينجرز)، الذي يُعتبر “جوهرة” بفضل سرعته وقوته البدنية.
سامي النجار، حارس مرمى في الدوري الأمريكي مع إنتر ميامي، يُشبه نفسه بـ”بطل خارق” ويحلم باللعب مع صلاح.
وفقًا لتقرير “ترانسفير ماركت”، يبلغ متوسط قيمة هؤلاء اللاعبين 15 مليون يورو لكل منهم، مما يجعلهم صفقة رابحة مقارنة بتكلفة تدريب جيل محلي.
الاتحاد يخطط لاستدعاء 5-7 لاعبين جدد قبل مباريات التصفيات المقبلة في يونيو 2026، مستفيدًا من قاعدة بيانات “الفيفا” للجنسية المزدوجة، التي تسمح بالتغيير قبل 3 مباريات دولية رسمية.
لكن الجدل ليس رياضيًا فقط. يرى الجماهيريون، مثل الإعلامي عمرو أديب، أن التجنيس “يقتل الهوية المصرية”، مشيرين إلى فشل المنتخب السوداني بعد تجنيس مصريين.
على الجانب الآخر، يدعم المدرب البرتغالي روي فيتياس، المنتظر تعيينه، الفكرة قائلاً في مؤتمر صحفي أخير: “المهم النتائج، لا الجوازات”.
إحصائيات الفيفا تؤكد نجاح التجربة: المغرب وصل ربع نهائي 2022 بـ12 لاعبًا متجنسًا، بينما السنغال فاز بكأس أمم إفريقيا بـ8 منهم.
اقتصاديًا، يدعم التجنيس الدوري المصري. اللاعبون المتجنسون يجلبون رعايات من شركات أوروبية، كما حدث مع تريزيغي الذي جذب عقودًا مع “بيبسي”.
لكن المخاطر واضحة: رفض بعض اللاعبين الاستدعاء خوفًا من “الخدمة العسكرية” أو ضغط الجماهير، بالإضافة إلى عقوبات الفيفا المحتملة إذا ثبت تزوير وثائق.
في الختام، يبدو التجنيس حتميًا لمصر للوصول إلى مونديال 2026، الذي يتوسع إلى 48 فريقًا، مما يزيد فرص التأهل إلى 25%. لكن النجاح يعتمد على اندماج هؤلاء “الفراعنة الجدد” مع النواة المصرية.










