“ضربة غير معلنة: بكين تُجبر الدول على تجاهل الدولار”
في ظل توترات اقتصادية وسياسية متزايدة بين الصين والولايات المتحدة، بدأت بكين في اتخاذ خطوات جديدة تُعيد ترتيب الأوراق في النظام المالي العالمي، انطلاقًا من تراجعها المتدرّج عن هيمنة الدولار الأمريكي في تعاملاتها الدولية.
التقارير الاقتصادية تشير إلى أن الصين تُحاول “تصفع” واشنطن من خلال تقليل استخدامها للعملة الأمريكية، وفرض خيارات بديلة على حلفائها التجاريين، في خطوة تُعد من أخطر محاولات التمرّد على الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي منذ الحرب الباردة.
كيف تقلّص الصين استخدام الدولار؟
تُعدّ الصين الآن واحدة من أكبر الدول التي تُنفّذ سياسة “إلغاء التدريجي للاعتماد على الدولار” في معاملاتها الخارجية.
في السنوات الأخيرة، زادت بكين من استخدام اليوان في صادراتها ووارداتها، خاصة في التعاملات مع دول آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، عبر ما يُعرف بـ “ settle in local currency” أو تسوية الصفقات بعملات الدول نفسها بدلًا من الدولار.
كما عزّزت الصين شبكة البنوك والبنية التحتية المالية لتسهيل التحويلات والتسوية باليوان، مثل تطوير نظام التحويلات بين البنوك الصينية “CIPS” كمنافس لنظام “سويفت” الذي تهيمن عليه الدولار والبنوك الغربية.
وبحسب تقارير اقتصادية، فإن نسبة تعاملات الصين مع شركائها عبر اليوان في التصدير والواردات تجاوزت مستويات لم تُسجل من قبل، ما يضغط على الدول التي كانت تُعتبر “آمنة” في استخدام الدولار وحده.
شراكات دولية تُضعف مغناطيسية الدولار
لم تكتفِ الصين بالاستعاضة عن الدولار داخليًا أو إقليميًا، بل حوّلت الأمر إلى “دبلوماسية اقتصادية” تقوم على تكوين تحالفات مالية جديدة. فقد وقّعت اتفاقات عملة مع دول مثل روسيا، وإيران، وتركيا، وعدد من الدول الإفريقية، على تبادل السلع والخدمات باليوان أو بعملات محلية، دون الرجوع إلى الدولار في كل مرحلة.
وأصبح الحديث عن “التجارة بالدولار” تدريجيًا أقل أهمية مع هذه الدول، خصوصًا في مجالات النفط، والغاز، والمعادن، والحبوب، حيث تُقدّم الصين عروضًا بأسعار تنافسية تُعامل فيها باليوان أو العملات المحلية، مقترنة بتسهيلات تمويلية وقطعًا بنكيًا مدعومًا من البنوك الصينية. هذه النمذجة تُنذر بإمكانية ظهور “قطب مالي منافس” للنموذج الأمريكي القائم على الدولار.
ضربة للعقوبات والعلاقات المالية الأميركية
تُعدّ هذه الخطوات تهديدًا مباشرًا لدور الدولار في العقوبات الاقتصادية، وهي إحدى أبرز أدوات واشنطن في الضغط على الدول المخالفة لسياستها.
فالدول التي تُهدّدها الولايات المتحدة بعقوبات مالية تجد في الصين مساحة للهروب من دائرة الدولار، سواء عبر تبادل النفط، أو استيراد السلع، أو الحصول على قروض دون الدخول في نظام البنوك والتحويلات الأمريكية.
هذا يعزّز من قدرة بكين على حماية حلفائها من الانهيار الاقتصادي الناتج عن قطع العلاقات البنكية مع واشنطن، كما حدث مع بعض الدول مثل إيران وفي فترات مع روسيا. ويعني أن “الرادع” الأعظم للعقوبات الأمريكية، وهو عزل الدولة من النظام المالي العالمي القائم على الدولار، قد يتآكل تدريجيًا مع نمو البدائل المالية الصينية.
ردود الفعل العالمية والاقتصاد الأمريكي
الإجراءات الصينية لم تمرّ دون تأثير. في الولايات المتحدة، تبدأ النقاشات داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية تزداد حدة بشأن مستقبل هيمنة الدولار. في حين ترى بعض الأصوات أن الدولار لا يزال يمتلك قوة مطلقة، خصوصًا للاحتفاظ بالاحتياطيات العالمية، وسوق السندات الأمريكية، وقوة الاقتصاد الأمريكي، يرى محللون آخرون أن “نهاية الهيمنة” قد تكون مسألة وقت لا أكثر.
وفي أوروبا، تُثار تساؤلات حول إمكانية دعم اليورو أو تطوير نظام مالي أوروبي بديل لموازنة القطب الصيني الجديد، بينما تعتمد دول نامية على الخيار الصيني لتأمين مصادر تمويل وتجارة أقل خضوعًا للعقوبات.
ما الذي يعنيه ذلك للعالم؟
بشكل مختصر، ما تقوم به الصين هو أكثر من مجرد “إجراء تقني”؛ بل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل قواعد النظام المالي العالمي. فاستبدال جزء من الدولار بعملات أخرى في التجارة، وبناء شبكة بنوك وتسوية دولية بديلة، يعادل “ضربة صامتة” للهيبة الاقتصادية الأمريكية، ويُمهّد لعصر جديد من “العملات المتعددة القطب”، حيث لم يعد الدولار العنوان الوحيد للتمويل، والتجارة، والسيولة العالمية.










