محمد بكري هو أحد أهمّ الأسماء في السينما الفلسطينية المعاصرة، ممثل ومخرج فلسطيني من أصل عربي، وُلد في قرية البعنة داخل أراضي 1948، وقضى حياته بين فلسطين المحتلة وخارطتها الإبداعية، لكنه ترك بصمة عالمية من خلال أعماله التي رفضت أن تُنحى جانبًا في التاريخ، أو أن تُستهان بعتمتها السياسية. وعلى الرغم من مساره الفني الطويل والمؤثر، لا يزال كثير من الجمهور يجهل.details المثيرة عن حياته، خصوصًا موقفه من محاولات تجسيد قصته على الشاشة، إسرائيل فكرة تحويل حياته إلى فيلم يُعرض في سينماها.
من هو محمد بكري؟
ولِد محمد بكري في 27 نوفمبر 1953 في قرية البعنة بالجليل، وترعرع في بيئة يترابط فيها التاريخ بعمق مع الجغرافيا، ما جعل ثقافته السياسية والفنية تتشكّل في مواجهة الاحتلال، لا في غيابه.
بدأ مشواره في المسرح، ثم انتقل تدريجيًا إلى السينما والتلفزيون، ممثلًا ومخرجًا وإنتاجًا، ليُصبح أحد أبرز الوجوه التي تُجسد الذاكرة البصرية للشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر وخارجه.
من أبرز ما يميّز بكري أنه كان من أول الفلسطينيين الذين درسوا المسرح في معاهد إسرائيلية، مثل مسرح “هابيما” في تل أبيب ومسرح حيفا، ثم عاد ليستخدم هذه الخبرة في توظيف الفن كسلاح سياسي، لا كحلية للهروب من الواقع.
زادت شهرته عربيًا وعالميًا بعد أعماله القوية مثل “جنين جنين”، و”ماشي الحيط الحيط”، و”منيوم مارحت”، وسلسلة من الأفلام التي توثق النكبة، والتهجير، وحياة المخيمات تحت الاحتلال.
غضب إسرائيل من فيلم “جنين جنين”
تُعدّ نقطة التحوّل الكبرى في علاقة محمد بكري مع إسرائيل، هي فيلمه الوثائقي “جنين جنين” الذي أخرجه في 2002، بعد عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين.
أصرّ بكري، مع فريقه، على دخول المخيم بعد أسابيع من الهجوم، وتوثيق شهادات السكان، وصور الدمار، و(register الأحداث) كما حدثت على الأرض، بعيدًا عن الرواية الإسرائيلية الرسمية التي وصفت العملية بـ “مذبحة” أو “معارك ضارية”.
النتيجة كانت فيلمًا زلزلت الكيان الصهيوني، كما وصفه مراقبون، وغيّر قواعد اللعبة في السينما الفلسطينية: فلم يُعدّ عملًا فنيًا تحفيزيًا فحسب، بل شهادة دولية تُستخدم في المحافل الحقوقية والسياسية.
رفضت إسرائيل الرواية، وردت بحملة قانونية وسياسية ضدّ بكري: ترافع خمسة جنود إسرائيليين ضدّه في دعوى تشهير، وتمت ملاحقته قضائيًا لسنوات، قبل أن تُمنع إسرائيل عرض الفيلم داخلها، وتُفرض غرامات مالية باهظة عليه، وتُطالب بمصادرة نسخه وحذف روابطه من الإنترنت.
لماذا رفضت إسرائيل تحويل قصته لفيلم؟
بعد أن أصبح “جنين جنين” نموذجًا لسينما المقاومة، بدأت تنشأ فكرة حول تحويل حياة محمد بكري نفسه إلى فيلم درامي أو سيرة سينمائية، خاصة في الغرب وفي بعض الدوائر العربية المهتمة بقصص النضال والفن.
المفهوم كان: أن يُعرض فيلم يروي كيف نشأ فلسطيني في إسرائيل، وسط متابعة حامية من الأمن، ومحاولات إسكاته، ثم يتحول إلى مخرج يُصعّد أصوات المخيمات والقرى المحاذية للحدود.
لكن إسرائيل، عبر مؤسساتها الثقافية والسياسية، لم تُرَقّب الفكرة فقط، بل رفضت بشكل غير مباشر تمريرها أو التعامل معها:
رفضت أي من المنصات السينمائية التابعة لها أو المرتبطة بها، أن تشارك في إنتاج أو تمويل مشروع من هذا النوع، بحجّة أن بكري “شخصية معادية” للدولة، و”محسوب” على تيار مناهض للسياسات الإسرائيلية.
شدّدت المؤسسات الرقابية والثقافية في الداخل على أن مثل هذا الفيلم سيُرسّخ “ Narration واحد” مناهضًا لدولة إسرائيل، خصوصًا أن بكري نفسه رفض مرارًا اعتقالاته القانونية باعتبارها “أداة للإسكات الثقافي”، ولم يبتعد في تصريحاته عن وصف الاحتلال بالعدو.
في هذا السياق، تُحوّل رفض إسرائيل لفكرة “فيلم عن محمد بكري” إلى رفض ليس للفيلم فقط، بل لفكرة أن تُروى سيرة مقاوم فلسطيني داخل إسرائيل، بشكل مهني وشامل، على شاشات دولية.
ماذا يعني رفض إسرائيل؟
من منظور أوسع، يُقرأ رفض إسرائيل لإنتاج فيلم عن محمد بكري، كجزء من حرب لم تنتهِ على السرد: كيف يُروى تاريخ الفلسطينيين؟
من يُسمح له بسرده؟
وكيف يُمنع أن يُظهر على شاشة سينمائية شخصية مثل بكري، يحمل الجنسيّة الإسرائيلية لكن يُصرّ على أن يُعرّف نفسه بـ “فلسطيني”؟ هذا التناقض نفسه كان أحد محطات فيلمه “منيوم مارحت”، الذي يُعدّ نوعًا من شبه السيرة الذاتية، ويُظهر فيه بكري معاناته بين هوية الوطن وهوية الجواز، بين مساحة في المسرح الإسرائيلي، ومساحة في السجن والمحاكم.










