الرئيس الإيراني يؤكد قبول المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بالهدنة مع الولايات المتحدة ويشدّد على التعايش والسلام العادل في المنطقة
طهران – 9 أبريل 2026 – المنشر الإخبارى
أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مساء اليوم الخميس، أن قرار وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة تم اتخاذه بإجماع أركان النظام الإيراني وبقبول المرشد الأعلى للبلاد، مجتبى خامنئي، في خطوة وصفها بالضرورية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي وفتح آفاق جديدة للحوار والتعايش السلمي.
وأكد بزشكيان في تصريحاته الرسمية أن القرار جاء بعد قبول الولايات المتحدة للإطار الذي طرحته إيران لوقف إطلاق النار والتفاوض حول القضايا العالقة بين الطرفين، مشدداً على أن بلاده لا تحارب شعوب المنطقة، وأن التزامها يقتصر على حماية مصالحها الوطنية والدفاع عن سيادتها. وأضاف الرئيس الإيراني: “نحن نطالب بالتعايش والاحترام المتبادل والسلام العادل مع جميع دول المنطقة، ونعتبر الحوار والتفاهم أدوات رئيسية لتحقيق الأمن والاستقرار”.
ويأتي هذا الإعلان في سياق جهود دولية واسعة تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، بعد حرب استمرت عدة أسابيع بين الولايات المتحدة وإيران بدأت في 28 فبراير 2026. وقد شهدت الفترة الأخيرة خطوات دبلوماسية مكثفة بذلتها عدة دول، أبرزها باكستان وتركيا ومصر، للضغط على الأطراف المعنية للتوصل إلى هدنة وإنهاء العنف.
وأشار بزشكيان إلى أن وقف إطلاق النار يعكس التزام إيران بالاتفاقيات الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، مؤكداً أن بلاده مستعدة للتعاون مع المجتمع الدولي لتخفيف التوتر في المنطقة. وأضاف أن الهدنة ستتيح للطرفين مناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية، بما في ذلك تخفيف الرسوم الجمركية والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران خلال السنوات الماضية.
وقال بزشكيان: “لقد تم التوصل إلى تفاهم مع الجانب الأمريكي على جدول أعمال محدد للتفاوض، يشمل مسائل تجارية وأمنية، ويتيح للبلدين العمل على إعادة بناء الثقة وتجنب أي تصعيد عسكري مستقبلي”. وأوضح أن هذا الاتفاق تم بدعم ومتابعة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وأن جميع أركان النظام الإيراني وافقت عليه بشكل كامل، بما يعكس الإجماع الوطني حول السياسة الخارجية في هذا الملف الحساس.
ورداً على سؤال حول استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، قال بزشكيان إن إيران ترفض أي تصعيد في مناطق الصراع خارج إطار التفاهمات المباشرة مع الولايات المتحدة، مشدداً على أن أي تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة يجب أن يتم التعامل معه عبر القنوات الدبلوماسية. وأضاف: “نحن نراقب الوضع في لبنان عن كثب وندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس واحترام السيادة الوطنية للدول المجاورة، بما يضمن حماية المدنيين واستقرار المنطقة”.
وتأتي تصريحات بزشكيان بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، مع الالتزام بمتابعة المفاوضات الثنائية حول تخفيف الرسوم الجمركية ورفع بعض العقوبات الاقتصادية. وأكد ترمب في تصريحات سابقة أن بلاده ستعمل بشكل وثيق مع إيران لضمان استمرار وقف الأعمال العدائية، وأن الولايات المتحدة مستعدة لدعم أي خطوات تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
ويرى محللون أن إعلان بزشكيان يمثل خطوة مهمة في تخفيف حدة التوتر الإقليمي، خصوصاً أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان استمرت بعد الإعلان عن الهدنة بين واشنطن وطهران، ما يعكس تحوّلاً في مسار الصراع إلى ساحات نفوذ أذرع إيران في المنطقة، وعلى رأسها “حزب الله”. وأشار المحللون إلى أن هذا التحول يعقد ملف الهدنة، ويستدعي تدخل الوسطاء الدوليين لضمان شمولها جميع الأطراف المعنية، بما فيها لبنان واليمن، لتجنب أي تفجير للأوضاع.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، رحبت باكستان، التي لعبت دور الوسيط بين واشنطن وطهران، بالإعلان الإيراني، مؤكدة أن وقف إطلاق النار يشكل خطوة إيجابية نحو التهدئة، وأن بلادها ستواصل جهودها لدعم الحوار بين الطرفين. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف: “ندعم بشكل كامل أي جهود تهدف إلى خفض التصعيد وتحقيق السلام في المنطقة، ونعمل مع شركائنا لضمان استمرارية وقف إطلاق النار والتفاوض على أساسه”.
كما أعربت تركيا عن ترحيبها بالقرار الإيراني، مشددة على أهمية احترام الهدنة وتوسيع نطاقها لتشمل جميع مناطق الصراع في الشرق الأوسط. وأكدت وزارة الخارجية التركية أن أنقرة ستواصل العمل مع الأطراف المعنية لضمان احترام الاتفاقيات الدولية وحماية المدنيين، وأن دور تركيا يقتصر على الوساطة والمساعدة في تهدئة التوترات دون الانخراط المباشر في النزاع العسكري.
وفي ردود الفعل الدولية الأخرى، دعا الاتحاد الأوروبي، عبر مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، إلى شمول لبنان في هدنة الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار الغارات الإسرائيلية قد يهدد استقرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد الاتحاد الأوروبي على ضرورة احترام القانون الدولي وحرية الملاحة في مضيق هرمز، محذراً من أي محاولات لفرض رسوم على عبور السفن أو التلاعب بالمسالك البحرية الحيوية.
من جهتها، شددت الصين على أهمية ضبط النفس وتجنب أي تصعيد جديد، مؤكدة أن جميع الأطراف يجب أن تستغل هذه الفرصة لتعزيز السلام وإنهاء الحرب عبر القنوات الدبلوماسية، مع الحفاظ على حقوق الدول وسيادتها الوطنية. وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ أن بلادها ستواصل العمل مع شركائها لدعم خفض التصعيد وتعزيز التفاهمات بين الأطراف المختلفة.
وتجدر الإشارة إلى أن إعلان إيران بشأن وقف إطلاق النار جاء في وقت تواجه فيه البلاد تحديات داخلية وخارجية، بما في ذلك ضغط اقتصادي متزايد بسبب العقوبات، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية في بعض المناطق. ويشير المحللون إلى أن نجاح هذه الهدنة قد يمثل اختباراً لقدرة إيران على إدارة ملفاتها الداخلية والخارجية في الوقت نفسه، مع ضرورة تحقيق التوازن بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية.
وتعكس هذه الهدنة أيضاً جهود المجتمع الدولي لإيجاد حلول سلمية للصراعات في الشرق الأوسط، بما يقلل من المخاطر على الأمن العالمي وأسواق الطاقة، خصوصاً أن مضيق هرمز يمر عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط والغاز، وأي تعطيل في الملاحة فيه قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية.
وبالرغم من إعلان الهدنة، لا تزال بعض مناطق الصراع في المنطقة تشهد توتراً متصاعداً، خصوصاً في لبنان وسوريا واليمن، ما يجعل من متابعة التنفيذ الفعلي للهدنة أمراً حاسماً لضمان نجاحها. ويشير الدبلوماسيون إلى أن المراقبة الدولية وتوثيق الالتزامات والتصرفات العسكرية للطرفين سيكون مفتاحاً لتجنب أي خرق يهدد استمرار وقف إطلاق النار.
ويؤكد المراقبون أن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تشكل بداية لمسار دبلوماسي جديد قد يغير وجه العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، ويتيح إمكانية التفاوض على ملفات حساسة مثل العقوبات الاقتصادية، التجارة، وأمن الملاحة البحرية، وهو ما قد يساهم في استقرار أسعار النفط وتحسين فرص التنمية الاقتصادية في المنطقة.
ختاماً، يبقى السؤال الأساسي حول مدى قدرة الطرفين على الالتزام بالهدنة وتوسيع نطاقها لتشمل جميع مناطق التوتر، خصوصاً أن أذرع إيران الإقليمية تتدخل في عدة ساحات، وأن أي تصعيد مستقبلي قد يقوض جهود التهدئة. ومع ذلك، يمثل إعلان بزشكيان عن وقف إطلاق النار خطوة إيجابية على طريق تحقيق السلام الدائم، ويعكس إمكانية تحقيق تفاهمات بين القوى الكبرى في المنطقة إذا ما توفرت الإرادة السياسية والالتزام الدولي.










