بي بي سي تكشف كيف تحولت فيديوهات الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتشكيل السرديات السياسية وإعادة صياغة الواقع في الصراع الإيراني الغربى
لندن – المنشر الإخبارى
كشفت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن ظاهرة إعلامية رقمية جديدة تعتمد على إنتاج مقاطع فيديو باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بأسلوب بصري مستوحى من ألعاب “ليغو”، لكنها تحمل في مضمونها رسائل سياسية ودعائية مرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي، وتُستخدم في سياق حرب سرديات متصاعدة على منصات التواصل الاجتماعي.
تبدو هذه المقاطع في ظاهرها أقرب إلى محتوى ترفيهي أو رسوم متحركة، حيث تعتمد على شكل المكعبات المعروف في “ليغو”، وسرعة في العرض تشبه مقاطع الألعاب أو الفيديوهات القصيرة المنتشرة على “تيك توك”. إلا أن مضمونها، بحسب التحقيق، يحمل صوراً ومشاهد شديدة الحساسية، تشمل أطفالاً في أوضاع مأساوية، وطائرات مقاتلة، وشخصيات سياسية عالمية من بينها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
هذا التناقض بين الشكل الطفولي والمحتوى السياسي الحاد منح هذه المقاطع قدرة كبيرة على الانتشار، وجعلها واحدة من أكثر أدوات التأثير الرقمي إثارة للجدل خلال الفترة الأخيرة، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة.
وبحسب “بي بي سي”، فإن هذه الفيديوهات ليست عشوائية أو فردية، بل يتم إنتاجها ضمن شبكات محتوى رقمية نشطة، من أبرزها حسابات مرتبطة بمنصة تُعرف باسم “إكسبلوزيف ميديا”، والتي ظهرت كمصدر رئيسي لهذا النوع من المواد البصرية.
في مقابلة أجرتها “بي بي سي” مع أحد القائمين على هذه الشبكة، والذي عُرف باسم “السيد إكسبلوزيف”، قدّم نفسه في البداية كخبير في إدارة المحتوى الرقمي، نافياً أي ارتباط مباشر مع جهات حكومية. لكنه أقر لاحقاً بوجود علاقات عمل مع جهات إيرانية، واعتبرها “أحد العملاء” ضمن نشاطه الإعلامي، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة هذا المحتوى وأهدافه.
بنية الرسائل: إعادة تشكيل الواقع لا نقله
تشير طبيعة هذه الفيديوهات إلى أنها لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تعيد صياغتها بالكامل ضمن سرديات بديلة. فالأحداث العسكرية والسياسية تُعرض بطريقة تجعل طرفاً معيناً يظهر كقوة مقاومة أو ضحية، بينما يُصوَّر الطرف الآخر في صورة سلبية أو عدائية.
هذه الصياغة البصرية ليست مجرد أسلوب فني، بل أداة تأثير تهدف إلى إعادة تشكيل إدراك الجمهور للواقع، عبر تحويل الأحداث المعقدة إلى مشاهد مبسطة وسهلة الاستهلاك، لكنها محمّلة برسائل سياسية واضحة.
وتعتمد هذه المقاطع على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور متحركة سريعة، تُصمم لتكون جذابة بصرياً وسهلة الانتشار، بما يتناسب مع طبيعة استهلاك المحتوى على المنصات الحديثة، حيث لا تتجاوز مدة الانتباه لدى المستخدمين بضع ثوانٍ.
الانتشار السريع وتأثير “المشهد الصادم”
أحد أبرز أسباب انتشار هذه الفيديوهات هو ما يمكن وصفه بـ”صدمة المشهد”، حيث يتم تقديم محتوى عنيف أو سياسي ثقيل داخل قالب بصري يشبه الألعاب أو الرسوم المتحركة. هذا التناقض يخلق حالة من الفضول لدى المتلقي، ويزيد من احتمالية إعادة نشر الفيديوهات دون تدقيق في محتواها أو مصادرها.
وبحسب خبراء الإعلام الرقمي، فإن هذا الأسلوب يعتمد على المزج بين الترفيه والمعلومة، ما يجعل المستخدمين أكثر تقبلاً للرسائل المضمنة دون مقاومة نقدية واضحة.
وتشير خبيرة الدعاية إيما براينت إلى أن خطورة هذا النوع من المحتوى تكمن في كونه “شديد التطور”، رغم مظهره البسيط، لأنه يُنتج خصيصاً ليبدو مألوفاً ثقافياً للجمهور الغربي، ويعتمد على رموز بصرية يفهمها بسهولة.
الذكاء الاصطناعي كأداة في الحرب الإعلامية
التقرير يسلط الضوء أيضاً على الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج هذا النوع من المحتوى، حيث أصبح بالإمكان إنتاج عشرات المقاطع خلال وقت قصير، وبجودة بصرية عالية، مع قدرة على محاكاة الأحداث الجارية تقريباً في الزمن الفعلي.
هذا التطور خلق نوعاً جديداً من “السبق الإعلامي”، حيث قد يتم نشر فيديوهات تتناول أحداثاً قبل صدور بيانات رسمية عنها، ما يزيد من حالة الالتباس المعلوماتي لدى الجمهور.
كما أن سرعة الإنتاج تجعل من الصعب على المنصات الرقمية مراقبة هذا المحتوى أو إيقافه بشكل فعال، خاصة مع ظهور حسابات جديدة بشكل مستمر بعد إغلاق الحسابات السابقة.
جدل حول المصداقية وحدود التضليل
أحد الجوانب المثيرة للجدل في هذه الفيديوهات هو احتواؤها على معلومات غير دقيقة أو روايات غير مؤكدة. ففي بعض المقاطع، يتم تصوير أحداث عسكرية أو سياسية بطريقة تختلف عن الروايات الرسمية أو التوثيق المستقل، ما يفتح الباب أمام اتهامات بتضليل الجمهور.
ورغم ذلك، تحقق هذه المقاطع انتشاراً واسعاً، وتصل في بعض الحالات إلى ملايين المشاهدات خلال فترة قصيرة، خصوصاً عندما ترتبط بأحداث سياسية أو عسكرية ساخنة.
ويرى محللون أن هذه الظاهرة تمثل تحولاً في طبيعة الدعاية السياسية، حيث لم تعد تعتمد على القنوات التقليدية، بل أصبحت تعتمد على المحتوى الرقمي السريع الذي ينتشر عبر المستخدمين أنفسهم.
بين الدعاية والدبلوماسية الرقمية
في تحليل أوسع، تصف بعض الدراسات هذه الظاهرة بأنها شكل من “الدبلوماسية الرقمية غير التقليدية”، حيث تستخدم الأطراف السياسية أدوات الإعلام الحديث للتأثير في الرأي العام العالمي مباشرة، دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وتشير خبيرة الحرب السيبرانية تين مونك إلى أن هذا النوع من المحتوى يمثل “حرباً ميمية” تعتمد على الصور السريعة والمحتوى المكثف، بدلاً من الخطابات السياسية المباشرة.
وتضيف أن هذه الاستراتيجية تجعل الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال أكثر ضبابية، وتزيد من احتمالات سوء الفهم أو التصعيد الإعلامي والسياسي.
خلاصة المشهد
ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الإعلام الرقمي دخل مرحلة جديدة، حيث أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من إنتاج السرديات السياسية، وليس مجرد وسيلة مساعدة.
وفي ظل هذا التطور، لم يعد المتلقي يواجه مجرد أخبار أو تقارير، بل منظومة كاملة من المحتوى المصمم بعناية لتشكيل إدراكه للواقع.
وبينما تتسارع هذه الأدوات في الانتشار، تبقى الحقيقة نفسها أكثر عرضة للتشويش، في عالم تتداخل فيه الصورة بالرسالة، والخيال بالواقع، والدعاية بالمعلومة.










