دخلت العلاقات في منطقة القرن الأفريقي نفقا جديدا من التوتر الدبلوماسي الحاد، عقب إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية عن تعيين ممثل دبلوماسي لها في المنطقة الشمالية الغربية من الصومال (المعروفة باسم “أرض الصومال” أو “صوماليلاند”)، وصدور تقارير حول تبادل للسفراء بين تل أبيب وهرجيسا.
هذا التطور أثار عاصفة من الردود المتضاربة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي تعتبر الإجراء انتهاكا لسيادتها، وبين حكومة أرض الصومال التي تراه ممارسة شرعية لاستقلالها التاريخي.
مقديشو: “انتهاك صارخ للقانون الدولي”
أصدرت وزارة الخارجية الصومالية بيانا شديد اللهجة ليل الأربعاء/الخميس، أعربت فيه عن إدانتها القاطعة للخطوة الإسرائيلية، ووصف البيان هذا الإجراء بأنه “انتهاك صارخ لسيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه”، مشددا على أن هذه التحركات تتعارض صراحة مع ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ التأسيسية للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
وأكدت الحكومة الفيدرالية في مقديشو أن الصومال “دولة واحدة غير قابلة للتجزئة ضمن حدودها المعترف بها دوليا”، ورفضت منح أي اعتراف دبلوماسي لأي جزء من أراضيها خارج سلطة الدولة المركزية.
وحذرت الخارجية الصومالية من أن مثل هذه التحركات من شأنها “زعزعة الاستقرار الإقليمي وتشجيع الخطابات الانقسامية”، في وقت تسعى فيه البلاد لترسيخ مؤسسات الدولة ومكافحة الإرهاب.
وطالب الصومال “سلطة الاحتلال الإسرائيلي” بالتراجع الفوري عن القرار، داعيا المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية إلى التمسك بالقانون الدولي ورفض أي إجراءات تضفي الشرعية على النزعات الانفصالية.
هرجيسا: “سيادتنا غير قابلة للتفاوض”
في المقابل، ردت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في “أرض الصومال” ببيان مضاد، رفضت فيه ما وصفته بـ”المزاعم المضللة” للحكومة الصومالية.
وأكدت هرجيسا أن سيادتها “لا تعتمد على أي سلطة في مقديشو”، مستندة إلى استقلالها التاريخي الذي نالته في 26 يونيو 1960 واعتراف المجتمع الدولي بها آنذاك كدولة مستقلة قبل الاتحاد مع الجنوب.
وشدد البيان على أن “صوماليلاند” تمارس الحكم الكامل داخل حدودها المحددة دوليا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأن مشاركاتها الدبلوماسية مع دولة إسرائيل، أو أي دولة أخرى، هي “ممارسة لصلاحياتها السيادية ولا تخضع لأي موافقة خارجية”.
وذهبت حكومة أرض الصومال إلى أبعد من ذلك بالاشارة إلى “التباين” في الاستقرار والأمن؛ حيث لفتت إلى أنها أرست مؤسسات ديمقراطية وحافظت على السلام وتعمل كشريك مسؤول في مكافحة الإرهاب والقرصنة، بينما “لا تزال الحكومة في مقديشو تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمني الأجنبي”. وأكدت هرجيسا في ختام بيانها أن سيادتها “غير قابلة للتفاوض” وأن علاقاتها الخارجية تحدد بإرادتها السيادية وحدها.
إسرائيل وأرض الصومال: حسابات جيوستراتيجية
يأتي هذا التصعيد بعد قرار إسرائيل في أواخر ديسمبر الماضي الاعتراف بـ “أرض الصومال” كدولة مستقلة، لتكون بذلك أول دولة تتخذ هذه الخطوة الرسمية عالميا.
ويرى مراقبون أن تل أبيب تسعى من خلال هذا التقارب إلى تعزيز نفوذها في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة للأمن القومي الإسرائيلي والملاحة الدولية.
بالنسبة لـ “صوماليلاند”، يمثل الاعتراف الإسرائيلي “اختراقا ديبلوماسيا” كبيرا قد يفتح الباب أمام اعترافات دولية أخرى، مما يعزز من فرصها في الحصول على مقعد في الأمم المتحدة، وهو الحلم الذي تسعى إليه منذ إعلان انفصالها من جانب واحد في عام 1991 عقب انهيار نظام سياد بري.
تداعيات إقليمية ودولية
تضع هذه الأزمة شركاء الصومال الدوليين والمنظمات الإقليمية في موقف حرج. فجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تقفان تقليديا مع وحدة الصومال، بينما تظهر قوى دولية أخرى اهتماما متزايدا بالاستقرار الذي توفره “أرض الصومال” في منطقة مضطربة.
ويحذر خبراء في الشؤون الأفريقية من أن تحول الصومال إلى ساحة لتجاذبات “الاعتراف الدبلوماسي” قد يعقد جهود المصالحة الوطنية الداخلية، وربما يؤدي إلى اصطفافات إقليمية جديدة في القرن الأفريقي.
ومع تأكيد مقديشو التزامها بحماية وحدتها الوطنية “بكافة الوسائل الدبلوماسية والقانونية المتاحة”، يبقى التساؤل حول مدى قدرة الضغوط الدولية على كبح هذا المسار الجديد في العلاقات بين هرجيسا وتل أبيب، أم أن القرن الأفريقي بصدد إعادة تشكيل خارطته السياسية بشكل واقعي بعيدا عن المبادئ الدولية التقليدية.










