خلافات بين الحرس الثوري والتيار الدبلوماسي تكشف ارتباك القرار داخل طهران
طهران – المنشر الإخبارى
فجّر إعلان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية موجة انتقادات داخلية في إيران، كاشفاً عن انقسام واضح بين مراكز القوى داخل النظام، خاصة بين التيار المتشدد المرتبط بـ الحرس الثوري الإيراني والتيار الدبلوماسي الذي يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي.
وأثارت تصريحات عراقجي بشأن فتح المضيق جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، حيث شككت وسائل إعلام محسوبة على الحرس الثوري في توقيت القرار وآلياته، معتبرة أنه يفتقر إلى التنسيق المؤسسي اللازم في ملف استراتيجي بهذا الحجم.
وفي هذا السياق، انتقدت وكالة “فارس”، القريبة من الحرس الثوري، ما وصفته بـ“الغموض” الذي يحيط بالقرار، مشيرة إلى غياب توضيحات رسمية من المجلس الأعلى للأمن القومي أو فريق التفاوض، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن الجهة التي اتخذت القرار فعلياً.
من جانبها، ذهبت وكالة “تسنيم”، المرتبطة بفيلق القدس، إلى أبعد من ذلك، ووصفت تصريحات وزير الخارجية بأنها “سوء تقدير في التواصل الإعلامي”، معتبرة أن هذا النوع من الرسائل قد يثير حالة من “الإحباط” داخل القاعدة المؤيدة للنظام، ويعكس خللاً في الانسجام بين مؤسسات الدولة.
أما وكالة “مهر”، التابعة لمؤسسات رسمية، فقد شددت على أن أي قرار يتعلق بمضيق هرمز—باعتباره أحد أهم الأوراق الاستراتيجية لإيران—يجب أن يصدر بشكل واضح ورسمي، ويستند إلى موافقة مباشرة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، في إشارة إلى حساسية الملف وتعقيداته.
ويأتي هذا الجدل في وقت حساس، حيث أعلنت طهران فتح المضيق أمام الملاحة خلال فترة الهدنة المرتبطة بوقف إطلاق النار، في خطوة فسّرها البعض على أنها بادرة تهدئة تجاه المجتمع الدولي، بينما رآها آخرون تنازلاً غير محسوب في لحظة تفاوضية دقيقة.
وكان عراقجي قد أوضح، في منشور عبر منصة “إكس”، أن عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز سيكون متاحاً بشكل كامل خلال فترة وقف إطلاق النار، مع الالتزام بالمسارات المحددة والتنسيق مع الجهات البحرية الإيرانية، مؤكداً أن الخطوة تأتي في إطار تنظيم الملاحة وضمان أمنها.
لكن هذا التوضيح لم ينجح في احتواء الانتقادات، بل زاد من حدة الجدل، خاصة في ظل تساؤلات حول ما إذا كان القرار يعكس توجهاً استراتيجياً للدولة أم مجرد خطوة تكتيكية مرتبطة بظروف التهدئة المؤقتة.
ويرى مراقبون أن هذا السجال يعكس صراعاً أعمق داخل النظام الإيراني بين من يفضلون استخدام أوراق الضغط، مثل مضيق هرمز، كأدوات تفاوضية قوية، وبين من يسعون إلى تخفيف التوتر والانخراط في مسارات دبلوماسية لتفادي مزيد من التصعيد.
كما يسلط الضوء على تعقيد آليات اتخاذ القرار داخل إيران، حيث تتداخل صلاحيات مؤسسات متعددة، من بينها الحكومة، والحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي، إضافة إلى دور المرشد الأعلى، ما يجعل أي قرار استراتيجي عرضة للتجاذبات الداخلية.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية في هذا السياق، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط، ما يمنح إيران نفوذاً جيوسياسياً كبيراً، ويجعل أي قرار يتعلق به محط أنظار داخلية وخارجية على حد سواء.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية والمفاوضات غير المستقرة مع الولايات المتحدة، يبدو أن قرار فتح المضيق لم يكن مجرد خطوة تقنية لتنظيم الملاحة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لتوازن القوى داخل النظام الإيراني، ولقدرة مؤسساته على إدارة الملفات الحساسة دون انقسام علني.
ومع تصاعد الانتقادات، يبقى السؤال الأهم: هل يمثل هذا الخلاف مجرد اختلاف في الأسلوب، أم أنه مؤشر على انقسام أعمق قد يؤثر على مسار التفاوض والسياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة المقبلة؟










