خبراء قانون دولي: العمليات العسكرية تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي وتهدد النظام القانوني العالمي
لندن – المنشر الإخبارى
في تطور قانوني لافت على الساحة الدولية، أصدر 87 من أبرز خبراء القانون الدولي من أساتذة جامعات وقضاة سابقين وباحثين متخصصين، بيانًا مشتركًا أدانوا فيه العمليات العسكرية الجارية ضد إيران ولبنان، معتبرين أنها تمثل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي، وترقى إلى مستوى “جريمة عدوان” وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي الحديث.
ويعد هذا البيان من أكثر المواقف القانونية الجماعية اتساعًا وتأثيرًا منذ اندلاع التصعيد العسكري في المنطقة، حيث توجه الموقعون به إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكافة الحكومات المعنية، مطالبين بتحرك دولي عاجل لوقف العمليات العسكرية ومساءلة المسؤولين عنها.
بيان قانوني غير مسبوق في طبيعته ومضمونه
أكد الخبراء القانونيون في بيانهم أن ما يجري من عمليات عسكرية ضد إيران ولبنان لا يمكن تبريره تحت أي إطار قانوني دولي، مشددين على أن استخدام القوة في هذا السياق يتعارض بشكل مباشر مع ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وأشار البيان إلى أن طبيعة العمليات العسكرية، بما في ذلك استهداف مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية، تمثل خرقًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقيات جنيف التي تنص على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
كما وصف الموقعون الوضع الحالي بأنه “اختبار حاسم لمصداقية النظام القانوني الدولي”، محذرين من أن استمرار الصمت الدولي قد يؤدي إلى انهيار فعلي لمنظومة القوانين التي تحكم العلاقات بين الدول.
تحميل المسؤولية للقادة السياسيين والعسكريين
من أبرز النقاط التي ركز عليها البيان تحميل المسؤولية القانونية الفردية للقيادات السياسية والعسكرية التي خططت أو أشرفت على العمليات العسكرية.
وأوضح الخبراء أن القانون الدولي الجنائي لا يقتصر على معاقبة المنفذين المباشرين، بل يمتد ليشمل القادة الذين أصدروا الأوامر أو سمحوا بارتكاب الانتهاكات.
وأكد البيان أن هذه المسؤولية تشمل أيضًا الأفراد الذين شاركوا في التخطيط الاستراتيجي أو قدموا الدعم اللوجستي الذي ساهم في استمرار العمليات العسكرية.
اتهامات للدول الداعمة للحرب
لم يقتصر البيان على إدانة الأطراف المباشرة في النزاع، بل شمل أيضًا الدول التي قدمت دعمًا سياسيًا أو عسكريًا أو استخباراتيًا، معتبرًا أنها تتحمل جزءًا من المسؤولية القانونية الدولية.
وأشار الخبراء إلى أن هذا الدعم قد يرقى إلى مستوى “التواطؤ الدولي” في حال ثبت أنه ساهم في تنفيذ عمليات تنتهك القانون الدولي الإنساني.
كما دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة لتحديد طبيعة هذا الدعم ومدى تأثيره على استمرار العمليات العسكرية.
أرقام صادمة للضحايا المدنيين
استند البيان إلى تقارير ميدانية تشير إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين في إيران ولبنان منذ بدء التصعيد العسكري.
ووفقًا لما ورد في البيان، فقد قُتل أكثر من 3,300 شخص في إيران خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، بينهم مئات الأطفال، في حين شهدت مناطق في لبنان خسائر بشرية كبيرة نتيجة القصف والعمليات العسكرية المتواصلة.
وأكد الخبراء أن هذه الأرقام تعكس نمطًا من الاستهداف الواسع الذي يثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني.
انتهاك مبدأ التمييز في النزاعات المسلحة
أحد المحاور القانونية الأساسية في البيان تمثل في الإشارة إلى انتهاك مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وهو أحد الأعمدة الأساسية في القانون الدولي الإنساني.
وأوضح الخبراء أن استهداف مناطق مأهولة بالسكان والبنية التحتية المدنية يشكل خرقًا مباشرًا لهذا المبدأ، ويعد من أخطر الانتهاكات في سياق النزاعات المسلحة.
وأشاروا إلى أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يؤدي إلى تصنيفها ضمن جرائم الحرب وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
دعوة عاجلة إلى الأمم المتحدة
دعا الموقعون على البيان الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى التحرك الفوري لوقف العمليات العسكرية الجارية، وفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف حول الانتهاكات المبلغ عنها.
كما طالبوا بإرسال لجان تقصي حقائق دولية إلى مناطق النزاع لتوثيق الانتهاكات وجمع الأدلة، تمهيدًا لمحاسبة المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية المختصة.
وأكد البيان أن “الوقت عامل حاسم”، وأن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتوسيع نطاق الانتهاكات.
تحذير من انهيار النظام القانوني الدولي
حذر الخبراء من أن استمرار الصراع دون مساءلة حقيقية قد يؤدي إلى تآكل الثقة في النظام القانوني الدولي، وتقويض فعالية المؤسسات الدولية المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
وأشاروا إلى أن عدم تطبيق القانون الدولي بشكل متساوٍ على جميع الأطراف قد يخلق سابقة خطيرة تهدد مستقبل العلاقات الدولية.
وجاء في البيان أن “غياب العدالة في هذه المرحلة سيشكل ضربة قاسية لمصداقية القانون الدولي بأكمله”.
خلفية التصعيد العسكري في المنطقة
تعود جذور التصعيد إلى نهاية فبراير، عندما بدأت سلسلة من العمليات العسكرية الواسعة التي شملت ضربات جوية وهجمات متبادلة بين أطراف النزاع في المنطقة.
وقد أدى هذا التصعيد إلى توسع رقعة الاشتباكات لتشمل عدة دول ومناطق، ما تسبب في حالة من عدم الاستقرار الإقليمي وارتفاع التوترات السياسية والاقتصادية.
وتشير التقارير إلى أن العمليات العسكرية استهدفت مواقع استراتيجية وعسكرية، لكنها امتدت أيضًا إلى مناطق مدنية، ما زاد من حدة الانتقادات الدولية.
موقف المنظمات الحقوقية
إلى جانب البيان القانوني، صدرت مواقف متزامنة من عدد من المنظمات الحقوقية الدولية التي وصفت الوضع بأنه “كارثة إنسانية متفاقمة”.
ودعت هذه المنظمات إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة دون عوائق.
كما شددت على ضرورة حماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وتجنب أي استهداف للبنية التحتية الحيوية.
أهمية البيان في المشهد الدولي
يكتسب هذا البيان أهمية خاصة نظرًا لعدد وتنوع الخبراء الموقعين عليه، الذين يمثلون مدارس قانونية مختلفة من أوروبا وآسيا وأمريكا.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف قد يشكل ضغطًا متزايدًا على المؤسسات الدولية لفتح تحقيقات رسمية في الانتهاكات المزعومة.
كما قد يمهد الطريق لتحركات قانونية مستقبلية داخل المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم وطنية تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية.
يعكس البيان المشترك لـ87 خبيرًا قانونيًا حجم القلق المتصاعد داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية الدولية من تداعيات الحرب على إيران ولبنان.
وبين الدعوات لوقف العمليات العسكرية والمطالبة بالمحاسبة، يبرز سؤال جوهري حول قدرة النظام الدولي على فرض القانون في ظل النزاعات المتصاعدة.
وفي ظل استمرار التصعيد، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات قانونية وسياسية معقدة قد تعيد تشكيل قواعد العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة.










