بعد حرب الـ40 يومًا.. المجتمع الإيراني يتمسك بأدوات القوة ويرفض “السلام المشروط” رغم الضغوط الأمريكية
طهران – المنشر الإخبارى
كشف استطلاع وطني أجراه مركز أبحاث هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن ملامح مزاج عام يتجه نحو التشدد الاستراتيجي، حيث أظهرت نتائجه رفضًا واسعًا لأي تنازلات تتعلق بالبرنامج الصاروخي أو النووي أو السيطرة على مضيق هرمز، وذلك في أعقاب الحرب الأخيرة التي استمرت 40 يومًا.
وبحسب نتائج الاستطلاع، الذي شمل آلاف المشاركين داخل إيران خلال فترة الحرب وبعدها مباشرة، فإن أغلبية كاسحة من الإيرانيين تعارض قبول الشروط الأمريكية لإنهاء الصراع بشكل دائم، معتبرين أن هذه الشروط تمس جوهر السيادة الوطنية وأدوات الردع الاستراتيجي.
رفض واضح لشروط واشنطن
أظهرت البيانات أن 85.7% من المشاركين يرفضون فرض قيود على الصناعة الصاروخية، بينما عارض 82.6% فكرة إخراج 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب من البلاد. كما رفض 79.4% وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، في حين عارض 73.7% فتح مضيق هرمز أمام الملاحة دون قيود.
كذلك، رفض 68.1% إنهاء التعاون مع ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، في إشارة إلى تمسك شريحة واسعة من المجتمع الإيراني بالعمق الإقليمي كجزء من منظومة الأمن القومي.
ويرى محللون أن هذه النتائج تعكس تحولًا في الوعي الجمعي الإيراني، حيث لم تعد أدوات القوة تُعامل كورقة تفاوض، بل كجزء من الهوية السياسية والسيادية للدولة.


قراءة مختلفة لمعادلة القوة
اللافت في نتائج الاستطلاع أن 57.5% من المشاركين اعتبروا أن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر احتياجًا لوقف إطلاق النار، مقابل 9.8% فقط رأوا أن إيران كانت الأكثر حاجة إليه، بينما اعتبر 29% أن الطرفين بحاجة متساوية للهدنة.
هذه النتيجة، وفق خبراء، تعكس نجاح الرواية الداخلية في ترسيخ فكرة “التفوق النسبي” لإيران، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
كما تشير إلى تراجع تأثير استراتيجية “الضغط الأقصى” على المستوى النفسي، حيث لم تنجح في خلق شعور عام بالهزيمة أو القبول بالتنازلات.
إحساس بالنصر رغم الكلفة
رغم الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الحرب، أظهر الاستطلاع أن 66% من الإيرانيين يعتبرون أن بلادهم خرجت منتصرة من الصراع، في مقابل أقلية تبنت رواية الهزيمة.
ويُفسر هذا التوجه بقدرة الخطاب الرسمي على إعادة صياغة مفهوم “النصر”، بحيث لا يرتبط فقط بالنتائج العسكرية المباشرة، بل بمدى الصمود والحفاظ على الاستقلال السياسي.

ثقة مرتفعة في المؤسسة العسكرية
كما أظهرت النتائج مستوى غير مسبوق من الثقة في أداء القوات المسلحة، حيث قيّم 87.2% من المشاركين أداءها بأنه “قوي” أو “قوي جدًا”، فيما اعتبر 47% أن القدرات الدفاعية للبلاد أصبحت “قوية جدًا” بعد الحرب.
ويرى مراقبون أن هذه الثقة تمثل أحد أهم عناصر الردع، إذ لا تقتصر قوة الدولة على قدراتها العسكرية، بل تمتد إلى تماسك الجبهة الداخلية واستعدادها لتحمل كلفة المواجهة.

حراك شعبي يتجاوز الرمزية
وأشار الاستطلاع إلى أن نحو نصف السكان شاركوا في فعاليات ميدانية خلال الحرب، سواء عبر تجمعات ليلية أو مسيرات دعم، ما يعكس – وفق التحليل – انتقال المجتمع من مرحلة “التفاعل العاطفي” إلى “المشاركة الواعية” في إدارة الصراع.
ويُنظر إلى هذا الحضور الشعبي باعتباره عاملًا مهمًا في مواجهة الحرب النفسية، ومحاولة الحفاظ على التماسك الداخلي في ظل الضغوط الخارجية.
تفاؤل رغم التهديدات
رغم التحذيرات المتكررة من استهداف البنية التحتية، أبدى 71.7% من المشاركين تفاؤلهم بمستقبل البلاد بعد الحرب، مقابل 13.5% فقط توقعوا تدهور الأوضاع.
ويُفسر هذا التفاؤل بأنه تعبير عن رؤية ترى في الأزمات فرصة لإعادة البناء وتعزيز الاستقلال، وليس مجرد تهديد وجودي.
الهدنة لا تعني نهاية المواجهة
أحد أبرز ما كشفه الاستطلاع هو أن 67.8% من الإيرانيين يؤيدون استمرار الحضور الشعبي حتى بعد وقف إطلاق النار، في مؤشر على أن الهدنة لا تُفهم كمرحلة استقرار، بل كاستراحة تكتيكية ضمن صراع أطول.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس ما يمكن وصفه بـ”النضج الاستراتيجي”، حيث لم يعد المجتمع يفصل بين الجبهة الداخلية والخارجية، بل يتعامل مع الأمن القومي كمسؤولية مشتركة.
اقتصاد تحت الضغط… ولكن مستقر نسبيًا
ورغم ظروف الحرب، قيّم 80.1% من المشاركين أداء الحكومة في إدارة السلع والخدمات الأساسية بأنه “مقبول” أو “جيد”، ما يشير إلى نجاح نسبي في احتواء الأثر الاقتصادي المباشر للأزمة.
لكن التقرير حذر في الوقت ذاته من تجاهل نسبة غير راضية (17.9%)، معتبرًا أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يتطلب استمرار الدعم للفئات الأكثر تأثرًا.
رسالة سياسية أبعد من الأرقام
في مجملها، تقدم نتائج الاستطلاع صورة لمجتمع يرفض التراجع تحت الضغط، ويعيد تعريف مفهوم الأمن من خلال الجمع بين القوة العسكرية والتماسك الداخلي.
ويرى خبراء أن هذه المعطيات تعزز موقع طهران التفاوضي، لكنها في الوقت نفسه قد تعقد فرص التوصل إلى تسوية سريعة، في ظل فجوة متزايدة بين مطالب الخارج وتوجهات الداخل.
وبينما تستمر الضغوط الدولية، يبدو أن المعركة لم تعد فقط على الأرض أو في غرف التفاوض، بل أيضًا داخل وعي المجتمعات، حيث تُرسم حدود القبول والرفض، وتُحدد ملامح المرحلة المقبلة.










