عقدان من التفاوض كشفا استخدام الملف النووي كأداة ضغط سياسي أكثر من كونه مسارًا لحله
لندن – المنشر الإخبارى
على مدار أكثر من عقدين، ظلّت المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران تُقدَّم للعالم بوصفها أداة لخفض التوتر وبناء الثقة بين الطرفين، إلا أن قراءة أعمق لمسار هذه المفاوضات تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا؛ إذ لم تكن هذه الحوارات يومًا، وفق هذا الطرح التحليلي، موجهة للوصول إلى تسوية عادلة أو دائمة، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط سياسية واستراتيجية تستخدمها واشنطن لإبقاء إيران تحت التهديد المستمر مع الحفاظ في الوقت نفسه على واجهة دبلوماسية توحي بالانخراط والتفاوض.
جذور الأزمة وبدايات التسييس
تعود جذور الأزمة إلى مطلع الألفية، عندما تم الكشف عن منشآت نووية في ناتانز وأراك داخل إيران، كانت مخصصة لأغراض الطاقة السلمية. في تلك اللحظة، تعاملت دول غربية مع الملف باعتباره مؤشرًا على نوايا عسكرية، رغم تأكيد طهران منذ البداية أن برنامجها النووي مدني بالكامل ويستند إلى حقوقها القانونية بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، التي تمنح الدول الحق في تطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
لكن هذا الملف التقني، الذي كان يمكن أن يُدار ضمن إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تحوّل تدريجيًا إلى أزمة سياسية كبرى، ليس بسبب تغيّر جوهري في طبيعة البرنامج الإيراني، بل لأن الملف أصبح أداة مناسبة لتبرير استمرار الضغوط الغربية على دولة ترفض الانصياع للهيمنة في منطقة غرب آسيا.
مرحلة التفاهمات الأوروبية وتآكل الثقة
في عام 2003، دخلت إيران في تفاهمات مع الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا)، فيما عُرف بإعلان سعد آباد. وبموجب هذه التفاهمات، وافقت طهران طوعًا على تعليق تخصيب اليورانيوم، ووقّعت على البروتوكول الإضافي الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات تفتيش موسعة وغير مسبوقة.
كانت هذه الخطوة، من منظور إيراني، تعبيرًا عن حسن النية وتفاديًا للتصعيد، لكنها لم تقابل بإجراءات مماثلة من الطرف الغربي. بل على العكس، جرى تحويل التعليق المؤقت إلى مطلب دائم، مع تصاعد سقف المطالب تدريجيًا، بحيث لم يعد الهدف هو الشفافية، بل فرض قيود طويلة الأمد على البرنامج الإيراني.
ومع حلول عام 2005، تآكلت الثقة بالكامل، وأصبح واضحًا لطهران أن الهدف الحقيقي ليس التحقق التقني، بل فرض قيود استراتيجية دائمة.
تدويل الملف وتحويله إلى أداة ضغط
في عام 2006، تمت إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما مثّل نقطة تحول جوهرية، حيث خرجت الأزمة من إطارها الفني إلى ساحة الصراع الدولي. خلال السنوات التالية، صدرت سلسلة من العقوبات الأممية التي استهدفت قطاعات نووية وعسكرية ومالية، وترافقت مع إجراءات أمريكية أحادية أكثر صرامة.
وبين عامي 2010 و2013، بلغت العقوبات ذروتها مع فرض قيود شاملة على النظام المصرفي الإيراني وصادرات النفط، بما في ذلك استهداف البنك المركزي. هذه الإجراءات لم تكن مجرد أدوات ضغط محدودة، بل شكلت في الواقع حصارًا اقتصاديًا واسع النطاق، استهدف إعادة تشكيل سلوك الدولة الإيرانية بالكامل.
في هذه المرحلة، لم يعد الملف النووي مجرد قضية منع انتشار، بل أصبح أداة ضمن ما يمكن وصفه بالحرب الاقتصادية والسياسية.
اتفاق 2015: إنجاز دبلوماسي غير متكافئ
في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والذي اعتُبر حينها أحد أكثر الاتفاقات شمولًا في تاريخ منع الانتشار النووي.
بموجب الاتفاق، وافقت إيران على قيود صارمة للغاية: تقليص مستوى التخصيب، خفض مخزون اليورانيوم بشكل كبير، وتوسيع نطاق الرقابة الدولية إلى مستوى غير مسبوق. وقد تم التأكيد لاحقًا من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران التزمت بالكامل ببنود الاتفاق خلال الفترة بين 2016 و2018.
ومع ذلك، لم تحقق إيران العوائد الاقتصادية الموعودة. فحتى بعد رفع بعض العقوبات، ظلت البنية المالية الأمريكية تمنع البنوك والشركات العالمية من التعامل مع إيران، ما جعل المكاسب الاقتصادية شبه معدومة، وكشف أن التنفيذ الفعلي للاتفاق كان معطلًا من الداخل.
الانسحاب الأمريكي وانهيار الثقة
في عام 2018، اتخذت الولايات المتحدة قرارًا أحاديًا بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات تحت سياسة “الضغط الأقصى”. هذا القرار كان نقطة انعطاف حاسمة، إذ لم يلغِ فقط المكاسب الاقتصادية لإيران، بل أرسل رسالة واضحة مفادها أن أي اتفاق مع واشنطن يمكن التراجع عنه في أي لحظة وفق الحسابات السياسية الداخلية.
ردًا على ذلك، بدأت إيران في تقليص التزاماتها تدريجيًا، مستندة إلى بنود داخل الاتفاق تسمح بإجراءات مقابلة في حال عدم التزام الطرف الآخر. وشملت هذه الخطوات رفع نسب التخصيب وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة، مع التأكيد على أن هذه الإجراءات قابلة للعكس إذا تم رفع العقوبات.
لكن الخطاب الغربي استمر في التركيز على الأنشطة النووية الإيرانية بدل معالجة سبب الأزمة الأساسي، وهو انسحاب واشنطن من الاتفاق.
محاولات الإحياء وفشل الوساطة
في عام 2021، بدأت مفاوضات غير مباشرة في فيينا لإعادة إحياء الاتفاق. غير أن هذه المفاوضات اصطدمت بنفس العقبة القديمة: انعدام الثقة.
إيران طالبت بضمانات واضحة بعدم تكرار الانسحاب الأمريكي، إضافة إلى تعويض اقتصادي عن فترة التزامها بالاتفاق، بينما أكدت واشنطن أن القيود القانونية والسياسية داخل الولايات المتحدة تجعل تقديم ضمانات ملزمة أمرًا غير ممكن.
هذا التباين كشف غياب آلية حقيقية تضمن تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، وهو ما جعل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة دون نتائج ملموسة.
دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية
تعرض دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية لانتقادات في هذا السياق، حيث يرى هذا الطرح أن عملها التقني في ملف إيران تأثر بالضغوط السياسية، مما أدى إلى تضخيم بعض القضايا وتحويلها إلى أدوات ضغط إضافية.
وبدل أن تظل الوكالة جهة رقابية محايدة، أصبحت—وفق هذا التحليل—جزءًا من بنية أوسع تستخدم الملف النووي كوسيلة لإبقاء الضغط السياسي قائمًا.
خلاصة عقدين من المفاوضات
بعد أكثر من عشرين عامًا، يظهر نمط متكرر: كل جولة تفاوضية مع إيران تنتهي إما بزيادة العقوبات أو بإعادة صياغة شروط جديدة أكثر تشددًا. لم تؤدِّ أي مرحلة إلى تسوية مستقرة أو نهائية، بل تحولت الدبلوماسية نفسها إلى جزء من آلية الضغط.
الخلاصة التي يطرحها هذا التحليل أن المشكلة لم تكن يومًا تقنية بحتة تتعلق بالبرنامج النووي، بل سياسية في جوهرها، تتعلق بغياب مبدأ التكافؤ والالتزام المتبادل في التعامل الأمريكي.
وبناءً على هذا المنطق، فإن المفاوضات النووية لم تكن وسيلة لحل النزاع، بل أداة لإدارته وإعادة إنتاجه بصيغ مختلفة، ما يجعل الوصول إلى اتفاق مستدام أمرًا شبه مستحيل في ظل البنية الحالية للعلاقة بين الطرفين.










