باريس – المنشر الإخباري
حذّر الباحث الاستراتيجي الفرنسي أوليفييه شميت من تصاعد خطر اندلاع مواجهة مباشرة بين روسيا وأوروبا خلال السنوات الخمس المقبلة، مؤكدًا أن أي صراع محتمل لن يشبه الحروب التقليدية، بل سيكون أكثر تعقيدًا ودمارًا في ظل التحولات التكنولوجية والعسكرية الحديثة.
تحوّل جذري في طبيعة الحروب
في مقابلة مع صحيفة لوموند، أوضح شميت أن الحروب الأخيرة، خاصة في أوكرانيا والتصعيد في إيران، أسقطت النماذج التقليدية للحروب التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية، لتدخل العالم في مرحلة جديدة وصفها بـ“عصر الدقة الجماعية”.
وأشار إلى أن دمج تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة والاستخبارات الفضائية غيّر قواعد اللعبة، حيث لم يعد التفوق التكنولوجي كافيًا لتحقيق نصر سياسي حاسم.
“ديمقراطية التدمير”.. سلاح الضعفاء
يرى شميت أن أخطر ما أفرزته هذه التحولات هو ما يسميه “ديمقراطية التدمير”، حيث أصبح بإمكان أطراف أقل تطورًا عسكريًا أن تفرض تكاليف باهظة على خصومها، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا، بفضل انتشار التكنولوجيا العسكرية ذات الاستخدام المزدوج.
هذا الواقع، بحسب تحليله، يجعل الحروب المستقبلية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحسم السريع، وهو ما يزيد من احتمالات الاستنزاف الطويل.
روسيا.. تهديد مباشر للمدنيين
التحذير الأكثر خطورة في حديث شميت تمثل في تقييمه لطبيعة العقيدة العسكرية الروسية، حيث أشار إلى أن أي نزاع محتمل مع روسيا قد يشهد استهدافًا مباشرًا للمدنيين في الدول الغربية.
وأوضح أن موسكو، التي اكتسبت خبرة ميدانية واسعة خلال سنوات الحرب الأخيرة، قد تعتمد على استراتيجيات تشمل التخريب والهجمات الصاروخية بعيدة المدى للضغط على صناع القرار في أوروبا.
وأضاف أن هذا السيناريو يعني أن الجبهات لن تكون محصورة في ساحات القتال، بل قد تمتد إلى داخل المدن الأوروبية نفسها، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم الأمن القومي.
أوروبا أمام اختبار صعب
بحسب شميت، فإن أوروبا لم تعد في مرحلة العمليات العسكرية “المريحة” التي تعتمد على التفوق الجوي والبحري دون تهديد مباشر، بل دخلت مرحلة جديدة تتطلب استعدادًا لمواجهة تهديدات حقيقية ومباشرة.
وأشار إلى أن أي صدام مع روسيا سيحمل تكلفة بشرية مرتفعة، خاصة في ظل ما وصفه بعدم أولوية الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في النزاعات الحديثة.
الصين وتايوان.. جبهة موازية
لم يقتصر التحليل على أوروبا وروسيا، بل امتد إلى الصين، حيث قدّم شميت رؤية استراتيجية لتطور سياستها تجاه تايوان.
وقسّم هذه الاستراتيجية إلى ثلاث مراحل، تبدأ بمنع الولايات المتحدة من الاقتراب من السواحل الصينية، ثم بناء قدرات إسقاط القوة خارج الحدود، وصولًا إلى مرحلة الهيمنة الإقليمية التي تهدف إلى استعادة السيطرة على تايوان.
لكنه أشار إلى أن البعد السياسي والأيديولوجي يظل العامل الأهم في هذا الملف، أكثر من المكاسب العسكرية المباشرة.
عالم على حافة تحول استراتيجي
تعكس هذه التحذيرات رؤية أوسع لتحول النظام الدولي، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط بالجيوش التقليدية، بل عبر مزيج من التكنولوجيا والاقتصاد والضغط السياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع المنافسة بين القوى الكبرى، ما يرفع من احتمالات اندلاع مواجهات واسعة النطاق.
مع تزايد التوترات بين القوى الكبرى، تبقى أوروبا أمام تحدٍ استراتيجي كبير: إما التكيف مع طبيعة الحروب الجديدة، أو مواجهة مخاطر صراع قد يكون الأكثر تدميرًا منذ عقود.
وفي ظل هذه التحذيرات، يتزايد القلق من أن السنوات القادمة قد تحمل تحولات حاسمة في شكل النظام الدولي، وربما بداية مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة.










