رأى تقرير حديث صادر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) في ميلانو، أن حالة “الضعف المشترك” التي نتجت عن الحرب الأخيرة مع إيران عززت التعاون بين دول الخليج، إلا أن وجهات النظر المتناقضة حول طهران وإسرائيل والنظام الإقليمي تضع مجلس التعاون أمام اختبار حاسم: هل يمكنه الانتقال من مجرد التنسيق التكتيكي إلى استراتيجية سياسية مشتركة؟
تصدعات في قراءة التهديد الإيراني
أشار التقرير إلى أن ممالك الخليج، رغم اتفاقها على أن إيران تشكل خطرا، إلا أنها طورت ثلاثة مناهج متباينة للتعامل مع هذا التهديد:
النهج المتشدد (الإمارات والبحرين): اتخذت الدولتان موقفا حازما؛ حيث سحبت الإمارات سفيرها من طهران ووصفت سلوكها بـ “الإرهاب الاقتصادي”، بينما كانت المنامة أول من أيد استخدام “كل الوسائل اللازمة” لفتح مضيق هرمز.
نهج إعادة البناء والدبلوماسية (قطر وعمان): رغم تضرر بنيتهما التحتية، تمسكت الدوحة ومسقط بأن المفاوضات هي الخيار الوحيد، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران.
النهج المتذبذب (السعودية والكويت): انتقلتا من التصعيد اللفظي وطرد الملحق العسكري الإيراني إلى الانفتاح الدبلوماسي السريع فور إعلان وقف إطلاق النار المؤقت، سعيا لتحقيق توازن حذر.
إسرائيل كعامل انقسام جديد
كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن تباين عميق في تصور “التهديد الإسرائيلي”. فبينما ترى دول “اتفاقيات أبراهام” (خاصة الإمارات) أن إيران هي العدو الرئيسي والوحيد، تتهم سلطنة عمان إسرائيل بدفع المنطقة نحو الحرب، وانتقدت قطر الهجمات الإسرائيلية “غير المسؤولة” على المنشآت الإيرانية، معتبرة أنها تقوض الأمن الإقليمي.
الرياض.. ضابط الإيقاع وموازن القوى
وفقا لـ (ISPI)، تلعب المملكة العربية السعودية دورا محوريا كعامل موازنة، محاولة بناء أرضية مشتركة بين المواقف الخليجية المتناقضة. وتعطي الرياض الأولوية للاستقرار الإقليمي الضروري لنموذجها الاقتصادي “رؤية 2030″، مما أدى إلى تباعد مسارها الاستراتيجي عن إسرائيل التي تتبنى نموذجا عسكريا يفاقم عدم الاستقرار.
أزمة مضيق هرمز والبدائل البرية
يظهر الانقسام الخليجي بوضوح في ملف الملاحة؛ حيث تدعو الإمارات والبحرين لتحالف تقوده واشنطن لفتح المضيق بالقوة، بينما تفضل السعودية وقطر والكويت الانخراط في “تحالف الراغبين” برئاسة أوروبية، والذي يركز على العمليات الدفاعية بعد وقف إطلاق النار، بعيدا عن الهيمنة الأمريكية المطلقة.
من الاقتصاد إلى الدفاع: البحث عن “الدرع الجماعي”
لمواجهة هذا الانسداد، سرعت دول الخليج مشروعات الربط البري لتجاوز مضيق هرمز، مثل ممر “الشارقة-الدمام” وجسر “نيوم” البري وسكك حديد “حفيت” بين عمان والإمارات. كما برز حافز قوي لإنشاء “درع دفاعي جماعي” لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ.
وخلص التقرير إلى أن هذه الجهود الاقتصادية والدفاعية قد تفقد فعاليتها إذا لم ينجح مجلس التعاون في صياغة رؤية جيوسياسية موحدة، مؤكدا أن الفشل في تحقيق “التماسك الاستراتيجي” سيبقي المنطقة عرضة لتقلبات القوى الكبرى وصراعات الجوار.










