خلافات حول توصيف التصعيد بين إيران وواشنطن تكشف تباين حسابات القوى الصاعدة
نيودلهي- المنشر الإخبارى
كشفت اجتماعات مجموعة بريكس BRICS الأخيرة في العاصمة الهندية نيودلهي عن تصدعات لافتة داخل التكتل، بعدما فشلت الدول الأعضاء في التوصل إلى بيان ختامي موحد بشأن تطورات الصراع في غرب آسيا، في خطوة تعكس حجم التباينات السياسية بين القوى الصاعدة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
الاجتماعات، التي عُقدت يومي 23 و24 أبريل بمشاركة نواب وزراء الخارجية والمبعوثين الخاصين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت تهدف إلى تنسيق المواقف حيال الأزمات المتفاقمة في المنطقة. غير أن الخلافات حول توصيف التصعيد العسكري الأخير، خاصة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حالت دون إصدار بيان مشترك، ليتم الاكتفاء ببيان صادر عن رئاسة الاجتماع فقط.
خلافات تتجاوز اللغة إلى المصالح
بحسب مصادر مطلعة، لم يكن الخلاف مجرد تباين في الصياغة الدبلوماسية، بل امتد إلى جوهر المواقف السياسية. فبعض الدول الأعضاء دفعت باتجاه تحميل المسؤولية بشكل مباشر عن التصعيد، بينما فضّلت أطراف أخرى تبني خطاب أكثر توازنًا، يبتعد عن الإدانة الصريحة ويفتح الباب أمام الحلول الدبلوماسية.
هذا التباين يعكس اختلاف أولويات كل دولة داخل التكتل، حيث تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع التحالفات السياسية، خاصة في ظل علاقات متشابكة تربط بعض أعضاء «بريكس» بالغرب، مقابل اصطفافات أخرى تميل إلى دعم إيران أو تبني موقف أكثر استقلالية.
الهند تحت المجهر
برزت الهند ، الدولة المضيفة للاجتماعات، في قلب الجدل، مع تصاعد تقارير إعلامية تحدثت عن انزعاج بعض الأعضاء من تقاربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن وزارة الخارجية الهندية سارعت إلى نفي هذه الروايات، مؤكدة أن موقفها من القضية الفلسطينية لم يتغير، وأنها لا تزال تدعم حل الدولتين.
كما نفت نيودلهي ما تم تداوله بشأن وجود توتر داخل التكتل بسبب سياساتها، أو وجود نية لاستبعادها، معتبرة أن هذه المزاعم تندرج ضمن “تحليلات غير دقيقة” أو “حملات تضليل”.
شائعات الاستبدال وواقع التكتل
تزامن الاجتماع مع انتشار شائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول إمكانية استبدال الهند بباكستان داخل «بريكس»، وهو ما نفته مصادر دبلوماسية، مؤكدة أنه لا توجد آلية داخل التكتل تسمح بطرد أي عضو.
كما أن انضمام أعضاء جدد يتطلب توافقًا جماعيًا، وهو ما يجعل أي حديث عن تغييرات في عضوية المجموعة أمرًا معقدًا ويخضع لحسابات دقيقة، خاصة في ظل التوازنات الحالية داخل التكتل.
ملفات المنطقة على الطاولة
رغم الخلافات، ناقش المشاركون مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية، من بينها الأوضاع في غزة ولبنان وسوريا واليمن والسودان وليبيا، إلى جانب التحديات الإنسانية المتزايدة في هذه الدول.
كما تم التطرق إلى فرص تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد النزاعات، مع التركيز على أهمية دعم الحلول السياسية وإعادة الإعمار، في ظل إدراك متزايد لتأثير هذه الأزمات على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي.
اختبار حقيقي لتماسك «بريكس»
يأتي هذا الانقسام في وقت يسعى فيه التكتل، الذي يضم قوى كبرى مثل الصين وروسيا إلى تعزيز حضوره كبديل أو موازن للهيمنة الغربية على النظام الدولي.
ورغم أن دول «بريكس» تمثل نسبة كبيرة من سكان العالم وموارده الطبيعية وقدراته الصناعية، فإن التباينات السياسية بين أعضائه تظل أحد أبرز التحديات أمام قدرته على التحرك ككتلة موحدة.
ويرى محللون أن فشل إصدار بيان مشترك لا يعد مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل مؤشر على ضغوط حقيقية يواجهها التكتل في ظل الأزمات الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة عندما تتقاطع المصالح الوطنية مع القضايا الدولية الحساسة.
مستقبل التكتل على المحك
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن «بريكس» أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وتطوير آليات تتيح له إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى عوائق استراتيجية.
فالتكتل الذي يطمح إلى لعب دور أكبر في رسم ملامح النظام العالمي متعدد الأقطاب، مطالب اليوم بإثبات قدرته على تجاوز الانقسامات وصياغة مواقف مشتركة، خاصة في الملفات الأكثر تعقيدًا مثل صراعات الشرق الأوسط.
وإذا استمرت هذه التباينات دون معالجة، فقد يجد «بريكس» نفسه أمام تحدٍ وجودي يهدد طموحاته في التحول إلى قوة دولية مؤثرة، قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، وليس مجرد منصة للتشاور بين دول ذات مصالح متباينة.










