تصريحات متناقضة بين مسؤولي الاتحاد الأوروبي حول أنقرة تثير أزمة ثقة وتكشف انقسامًا داخليًا يضعف الطموحات الأوروبية في السياسة الخارجية
بروكسل – المنشر الإخباري
حذّر محللون من أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه الادعاء بأنه قوة جيوسياسية فاعلة على الساحة الدولية ما لم ينجح في توحيد خطابه السياسي الخارجي، مشيرين إلى أن التناقض الحاد في التصريحات الصادرة عن كبار مسؤوليه بشأن تركيا يعكس أزمة عميقة في الرؤية والاستراتيجية.
وتأتي هذه التحذيرات عقب الجدل الذي أثارته تصريحات لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والتي قوبلت بانتقادات واسعة بعد أن وضعت تركيا في سياق مشابه لروسيا والصين، وهو ما اعتُبر في أنقرة تجاوزًا دبلوماسيًا غير مبرر.
تناقض داخل القيادة الأوروبية
وفي تحليل صادر عن الباحث البارز في مركز كارنيغي أوروبا في بروكسل، سينان أولغن، تم تسليط الضوء على ما وصفه بـ”التناقض الصارخ” بين الخطاب الصادر عن مؤسستين رفيعتين داخل الاتحاد الأوروبي.
ففي الوقت الذي وصفت فيه فون دير لاين تركيا ضمن ما يشبه “محور نفوذ سلبي” إلى جانب روسيا والصين، جاءت تصريحات مسؤولة التوسّع في الاتحاد الأوروبي، مارتا كوس، لتعكس رؤية مغايرة تمامًا، حيث أكدت أن تركيا تمثل عنصرًا مهمًا في المعادلات الأمنية والاقتصادية الأوروبية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وأشار أولغن إلى أن فون دير لاين قالت إن “بناء أوروبا يجب أن يكتمل حتى لا تقع تحت النفوذ الروسي أو التركي أو الصيني”، مضيفة أن على الاتحاد “التفكير بشكل أكبر وبمنظور جيوسياسي”، في إشارة فسّرها مراقبون بأنها تضع أنقرة في خانة الخصوم الجيوسياسيين.
في المقابل، شددت مارتا كوس أمام البرلمان الأوروبي على أن “أوروبا تحتاج إلى تركيا في ضوء التغيرات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط”، مؤكدة أن أنقرة شريك مهم في مجالي التجارة والأمن.
أزمة المصداقية الأوروبية
ويرى أولغن أن فعالية أي دولة أو تكتل في السياسة الخارجية تعتمد بشكل أساسي على عنصر المصداقية، وأن الاتساق في الرسائل السياسية يمثل حجر الأساس لهذه المصداقية.
وأوضح أن ظهور هذا التناقض العلني بين كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي يضر بصورة التكتل كفاعل دولي موثوق، ويضعف قدرته على التأثير في بيئة دولية تتسم بالتنافس والصراع على النفوذ.
وأضاف أن “التباين العلني في الخطاب السياسي لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو مؤشر على غياب رؤية استراتيجية موحدة”.
كما شدد على أن الاتحاد الأوروبي إذا أراد أن يتحول إلى لاعب جيوسياسي حقيقي، فعليه تطوير آليات أكثر صرامة لتوحيد قراراته الخارجية، بدلًا من ترك المجال لتضارب التصريحات بين مؤسساته.
ردود فعل سياسية غاضبة
وقد أثارت تصريحات فون دير لاين موجة انتقادات داخل المؤسسات الأوروبية نفسها، حيث أعرب الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، شارل ميشيل، عن رفضه لهذا الطرح، مؤكدًا أن تركيا ليست خصمًا بل شريكًا أساسيًا في منظومة الأمن الأوروبية.
وأشار ميشيل إلى أن تركيا تمثل عنصرًا مهمًا في حلف شمال الأطلسي، وشريكًا رئيسيًا في ملف الهجرة والطاقة والدفاع، إضافة إلى كونها لاعبًا إقليميًا مؤثرًا على حدود أوروبا.
وشدد على أن “القوة الأوروبية لا تُبنى على المعايير المزدوجة أو تبسيط الواقع الجيوسياسي”.
تراجع أوروبي سريع ومحاولة لاحتواء الأزمة
وفي محاولة لاحتواء تداعيات التصريحات، سارع متحدث باسم المفوضية الأوروبية إلى توضيح أن تصريحات فون دير لاين لم تكن تهدف إلى تقليل شأن تركيا، بل إلى الإشارة إلى “ثقلها الجيوسياسي وحجمها وطموحاتها”.
هذا التراجع السريع ساهم في تهدئة التوتر الدبلوماسي، حيث لم تصدر أنقرة ردًا رسميًا قويًا، في خطوة فُسرت بأنها تعكس رغبة تركية في تجنب التصعيد في هذه المرحلة.
موقف أنقرة: صمت محسوب
بحسب مصادر دبلوماسية تركية، فضّلت الحكومة في أنقرة عدم الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد صدور التوضيحات الأوروبية الرسمية.
ويرى مراقبون أن هذا الصمت يعكس استراتيجية تركية أوسع تقوم على تعزيز موقعها كقوة إقليمية وسيطة، مع الحفاظ على قنوات التعاون مع جميع الأطراف الدولية.
كما أشارت تحليلات إلى أن تركيا تسعى لتجنب أي توتر قد يؤثر على ملفات حساسة، مثل قمة حلف شمال الأطلسي المقبلة، واستضافة مؤتمر المناخ العالمي.
انقسام داخلي في الموقف التركي
ورغم الصمت الرسمي، برزت ردود فعل داخلية قوية داخل المشهد السياسي التركي.
فقد انتقد زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، التصريحات الأوروبية بشدة، واصفًا إياها بأنها تعكس “غرورًا أوروبيًا ومعايير مزدوجة”.
وأكد أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك فهمًا حقيقيًا لتركيا، وأنه يتعامل معها وفق مصالحه فقط، سواء في ملفات الهجرة أو الطاقة أو الأمن.
وأضاف أن أوروبا تحاول الاستفادة من موقع تركيا الجغرافي والاستراتيجي عند الحاجة، لكنها تعود إلى خطاب متعالٍ عندما تتغير الظروف.
وشدد بهتشلي على أن تركيا ليست مجرد دولة عادية، بل “حضارة وتاريخ ومركز جغرافي لا يمكن تجاهله”، داعيًا أوروبا إلى مراجعة خطابها السياسي تجاه أنقرة على أساس الواقعية وليس المصالح الضيقة.
قراءة تحليلية أوسع
من منظور تحليلي أوسع، يرى خبراء أن هذا الجدل يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، حيث لم تعد العلاقة قائمة على مسار عضوية محتمل فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.
ويشير محللون إلى أن بعض دوائر صنع القرار في أوروبا باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها لاعبًا مستقلًا قد يتقاطع أو يتعارض مع المصالح الأوروبية في بعض الملفات، بينما ترى دوائر أخرى أنها شريك لا يمكن الاستغناء عنه.
هذا الانقسام الداخلي يضعف القدرة الأوروبية على صياغة سياسة خارجية موحدة، ويجعل مواقفها عرضة للتناقض والارتباك.
تداعيات استراتيجية طويلة المدى
يحذر سينان أولغن من أن استمرار هذا النهج قد يدفع تركيا إلى إعادة تقييم موقعها الاستراتيجي، وربما تعزيز علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، كجزء من سياسة تنويع التحالفات.
كما أشار إلى أن بعض النخب السياسية في أنقرة قد تستنتج أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تقوم على شراكة طويلة الأمد، بل على توازنات مؤقتة ومصالح متغيرة.
ويرى أن هذا التصور، إذا ترسخ، قد يؤدي إلى تراجع فرص التعاون المستقبلي بين الجانبين، ويدفع نحو مزيد من التباعد السياسي والاستراتيجي.
تكشف هذه الأزمة عن تحدٍ جوهري يواجه الاتحاد الأوروبي، يتمثل في قدرته على التحول من تكتل اقتصادي إلى فاعل سياسي عالمي متماسك.
فبين خطاب يدعو إلى الشراكة مع تركيا، وآخر يضعها في خانة المنافسين، تتآكل صورة الاتحاد الأوروبي كقوة موحدة، ويزداد الشك حول قدرته على صياغة سياسة خارجية مستقرة وفعالة.
وفي ظل هذا الانقسام، تبقى تركيا في موقع حساس، بين كونها شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وبين كونها طرفًا يُنظر إليه أحيانًا كقوة صاعدة تنافس النفوذ الأوروبي في محيطه الجغرافي.










