تمويل أمريكي عاجل بقيمة 100 مليون دولار لإصلاح قوس الاحتواء وسط تحذيرات من كارثة إشعاعية محتملة
واشنطن – المنشر الإخبارى
في تطور يسلط الضوء على هشاشة الأمن البيئي في أوروبا وسط استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أعلنت الولايات المتحدة عن تخصيص تمويل طارئ يصل إلى 100 مليون دولار لدعم أعمال إصلاح قوس الاحتواء الآمن في محطة تشيرنوبيل النووية، بعد تعرضه لأضرار بالغة نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة، في حادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف من احتمال تسرب إشعاعي واسع النطاق في واحدة من أكثر المناطق حساسية نوويًا في العالم.
وتأتي هذه الخطوة الأمريكية في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من أن البنية التحتية النووية في أوكرانيا باتت عرضة لمخاطر مباشرة نتيجة العمليات العسكرية المستمرة، ما يضع الأمن الإشعاعي في أوروبا أمام اختبار غير مسبوق منذ كارثة تشيرنوبيل عام 1986، التي ما تزال آثارها البيئية والصحية حاضرة حتى اليوم في أجزاء واسعة من القارة.
ويُعد قوس الاحتواء الجديد، المعروف باسم “الدرع الآمن”، أحد أكبر الهياكل الهندسية التي شُيدت في العالم للسيطرة على بقايا المفاعل الرابع في تشيرنوبيل، حيث صُمم ليحاصر آلاف الأطنان من المواد المشعة ويمنع تسربها إلى البيئة المحيطة لمدة قد تمتد إلى قرن كامل، ما يجعله خط الدفاع الأول ضد أي كارثة نووية محتملة في الموقع.
غير أن تعرض هذا الهيكل لأضرار جسيمة نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة خلال العام الماضي أثار مخاوف جدية لدى الخبراء من احتمال تراجع كفاءته في احتواء الإشعاعات، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التحرك السريع لتأمين تمويل أولي ضمن خطة أوسع تهدف إلى إعادة تأهيله وضمان استقرار الوضع البيئي في المنطقة.
وبحسب تصريحات صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن هذا التمويل لا يمثل سوى جزء من التزام أوسع تجاه دعم الأمن النووي في أوروبا، حيث تتحمل الولايات المتحدة ما يقارب 20% من التكلفة الإجمالية المقدرة بنحو 500 مليون دولار، بينما يُنتظر أن يشارك شركاء آخرون في مجموعة السبع والدول الأوروبية في تغطية الجزء المتبقي من التمويل.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الخطوة إلى دفع حلفائها نحو تحمل مسؤولياتهم المالية في مواجهة ما تصفه بـ“الخطر الجماعي”، في إشارة إلى أن أي تأخير في إصلاح البنية المتضررة قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود أوكرانيا لتشمل أجزاء واسعة من أوروبا، خصوصًا في حال حدوث تسرب إشعاعي جديد.
وفي السياق ذاته، دعت الولايات المتحدة إلى عقد تنسيق موسع داخل مجموعة السبع لتسريع إجراءات الدعم الفني والمالي، مؤكدة أن التعامل مع ملف تشيرنوبيل لم يعد مسألة تاريخية مرتبطة بكارثة الماضي فقط، بل أصبح قضية أمن دولي معقدة ترتبط بشكل مباشر باستقرار القارة الأوروبية ومستقبلها البيئي.
ويحذر خبراء في مجال الطاقة النووية من أن أي خلل في نظام الاحتواء الحالي قد يؤدي إلى إعادة إطلاق مواد مشعة كانت محصورة منذ عقود، وهو ما قد يخلق أزمة بيئية وصحية واسعة النطاق، تتطلب سنوات طويلة من المعالجة وتكلفة اقتصادية ضخمة قد تتجاوز قدرة الدول المنفردة على التعامل معها.
كما يشير محللون إلى أن استهداف البنية التحتية النووية في سياق النزاعات المسلحة يفتح بابًا خطيرًا أمام تحولات غير مسبوقة في مفهوم الحرب الحديثة، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على الجبهات التقليدية، بل امتدت لتشمل منشآت ذات طابع بيئي وإنساني شديد الحساسية.
وبينما تتسابق الأطراف الدولية لاحتواء الموقف، يبقى ملف تشيرنوبيل واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في أوروبا، ليس فقط بسبب إرثه التاريخي الثقيل، بل أيضًا بسبب ارتباطه المباشر بالأمن الإشعاعي العالمي، ما يجعل أي تطور فيه محل متابعة دقيقة من قبل الحكومات والمؤسسات العلمية على حد سواء.
وتؤكد المعطيات الحالية أن المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطًا متزايدة على الدول الصناعية الكبرى لتوسيع مساهماتها في تمويل عمليات الصيانة والتأمين، في محاولة لمنع تحول الموقع إلى نقطة اشتعال بيئي جديدة قد تكون تداعياتها أخطر من الكارثة الأصلية نفسها.










