برلين تؤكد أنها “تنتظر بهدوء” قرارات إدارة ترامب بشأن مستقبل القوات الأمريكية
برلين – المنشر الإخبارى
في مؤشر جديد على تصاعد التوتر داخل العلاقات عبر الأطلسي، أعلنت الحكومة الألمانية استعدادها للتعامل مع احتمال خفض الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، في ظل تصريحات أمريكية تشير إلى مراجعة استراتيجية لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا التي تستضيف واحدة من أكبر القواعد الأمريكية خارج الولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن برلين “مستعدة لكل السيناريوهات الممكنة” فيما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي، مؤكداً أن بلاده “تنتظر باطمئنان” ما ستقرره واشنطن بشأن هذا الملف، دون أن تعتبره خطوة عدائية أو مفاجئة في ظل التطورات السياسية الجارية.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأربعاء، أن إدارته تدرس بجدية خفض عدد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا، والتي يقدر عددها بنحو 35 ألف جندي، موزعين على قواعد استراتيجية تعد من أهم مراكز العمليات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط.
وأثارت تصريحات ترامب حالة من الجدل داخل الأوساط السياسية الألمانية، خاصة أنها جاءت بالتزامن مع خلافات متصاعدة بين برلين وواشنطن حول إدارة الملفات الدولية، وفي مقدمتها الحرب الدائرة مع إيران، والتي باتت تشكل نقطة توتر إضافية داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
ورغم حدة الجدل، حاولت الحكومة الألمانية احتواء الموقف، حيث شدد الوزير فاديفول على أن العلاقات الدفاعية بين البلدين لا تزال قائمة على أسس قوية، وأن ألمانيا تنظر إلى الشراكة مع الولايات المتحدة باعتبارها “ركيزة أساسية في أمن أوروبا”.
وفي السياق ذاته، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أهمية استمرار الشراكة عبر الأطلسي، موضحاً أن بلاده لا تزال ملتزمة بالكامل بحلف “الناتو”، وأن التعاون مع الولايات المتحدة يمثل “خياراً استراتيجياً لا بديل عنه” رغم الخلافات السياسية الراهنة.
وخلال زيارة إلى قاعدة عسكرية في مدينة مونستر، قال ميرتس إن “البوصلة الألمانية لا تزال موجهة نحو تحالف قوي ومستقر عبر الأطلسي”، مضيفاً أن هذه الشراكة “ليست مجرد التزام سياسي، بل علاقة تاريخية عميقة تمتد لعقود طويلة”.
وفي المقابل، كان ترامب قد صعّد موقفه عبر منصته “تروث سوشيال”، مؤكداً أن إدارته “تراجع بجدية حجم القوات الأمريكية في ألمانيا”، وأن القرار النهائي بشأن هذا الملف سيتم اتخاذه خلال فترة قصيرة، في إطار مراجعة شاملة للانتشار العسكري الأمريكي في الخارج.
ويرى محللون أن هذه التطورات تعكس تحولاً أوسع في السياسة الأمريكية تجاه أوروبا، حيث تتزايد الدعوات داخل واشنطن لإعادة توزيع الموارد العسكرية والتركيز أكثر على مناطق أخرى، في وقت تتصاعد فيه التوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز.
كما يشير مراقبون إلى أن أي تقليص كبير للوجود الأمريكي في ألمانيا قد يترك تأثيرات مباشرة على توازنات الأمن الأوروبي، خاصة أن القواعد الأمريكية هناك تلعب دوراً محورياً في عمليات النقل والدعم اللوجستي للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ورغم ذلك، تسعى برلين إلى تبني خطاب هادئ، يهدف إلى تجنب التصعيد مع واشنطن، مع التأكيد على أن أي قرار محتمل سيتم التعامل معه في إطار الشراكة وليس المواجهة، بما يضمن استمرار التنسيق الأمني والعسكري بين الجانبين.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن ملف الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل التحالف الغربي، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية العالمية وتتعقد فيه حسابات القوى الكبرى.









